يصوم عما أحل الله ويفطر على ما حرمه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: (( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ).
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله كما عند أحمد وابن ماجه: (( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر ) ).
قال ابن رجب رحمه الله:"وسر هذا أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل."
فيا من سلم إلى أن بلغ رمضان، ها أنت ذا تخوض غمار أيامه ولياليه، مضى اليسير منها، ماذا قدمت؟ بماذا تفكر؟ على ماذا عزمت؟ مسكين هو ـ والله ـ إن كان ليله معمورًا بالقيل والقال وسوء الأقوال والأفعال، مسكين هو ـ والله ـ في الوقت الذي يصُفُّ المصلون أقدامهم ويركعون ويسجدون يدعون ويستغيثون ويباهي الله بهم ملائكته، يبقى يقلب القناة بعد القناة، مسكين هو ـ والله ـ إن كان نهاره نومًا عن الصلاة وهجرًا للقرآن. وإن لم يغفر للمسلم في رمضان فمتى ينتظر الغفران؟ إن لم يتعرض لنفحات الرضوان في هذا الشهر الكريم، فمتى يتعرض؟ محروم هو يمضي رمضان وتنصرم أيامه وتودع لياليه، وهو في سكر الشهوة هائم، ولقيد الكسل والتفريط أسير.
أيها المؤمنون، إن رمضان هبة الله لهذه الأمة، وعطيته لأهل الملة، فمن فاته الخير فيه فقد فاته من الخير أوفره ومن الهدايا أغلاها وأثمنها.
وإن مما يجب التذكير به ـ ونحن نودع الأيام الأولى منه ـ أن في البشر قُطَّاعَ طريق، يصدون الخلق عن خالقهم، ويضلونهم عن سبل رشادهم وهدايتهم، لم نزل نراهم في الصحف والمجلات، في الشوارع والطرقات، في الإذاعات والشاشات، يعدون ويبشرون، ويدعون الناس إلى قضاء أسعد الأوقات، وعمارة ليالي رمضان ـ زعموا ـ والاستمتاع بمتابعة السهرات والحفلات في تلك القناة أو غيرها.