فهرس الكتاب
وكما قال جل وعلا: { الله يعلم حيث يجعل رسالته } .
فاصطفى من صفوة الخلق ومن خيار البشر أولئك الرسل والأنبياء ، ففضلهم بهذه المنة على سائر الناس وإن كان في ذلك حكمة له - سبحانه وتعالى - بالغة إلا أن فيه أيضًا رحمة وخير للعباد فالرسل والأنبياء جاءوا بما يحي القلوب ، وبما يبين طريق الحق من الباطل ، وما يبين الشر من الخير فكان لهم أثر في الهداية والبيان والتبليغ عن الله سبحانه وتعالى.
وفضّل الله - جل وعلا - بعض الأمكنة على بعض وليس ذلك أحد إلى له - سبحانه وتعالى - فجعل البيت الحرام ، وجعل المسجد النبوي الشريف ، وجعل بيت المقدس أيضًا أماكن لها من المزية ما ليس لغيرها ، مع أنها من الناحية المادية ليس بينها وبين غيرها فرق فأرضها أرض وسماءها سماء وحجارتها مثل سائر الحجارة وكذا جبالها وسهولها ووديانها ولا شيء يميزها عن غيرها إلى أن الله - سبحانه وتعالى -خصها بالتفضيل وجعل لها مزية في الأجر والثواب وأحكاما في الحرمة والتعظيم ليس لغيرها وكان من أثر ذلك فضل ومنة على أهلها كما قال الله - سبحانه وتعالى - في دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام:
{ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .
فإذا القلوب من أقاصي الأرض شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها ، تهفوا إلى تلك الأماكن المقدسة تقطع الفيافي القاحلة والمسافات الشاسعة وتركب الصعب والذلول وتنفق الأموال وتجهد الأبدان وما من شيء إلى أنها قد تنتقل من جنان خضراء إلى أرض صحراوية قاحلة ومن أراض غناء إلى أراض جرداء وما يحدوها إلى ذلك الشوق وتلك المحبة وذلك الفضل الذي جعله الله سبحانه وتعالى للديار المقدسة .