فهرس الكتاب
فالذي يفكر كما يفكر أهل التجارة وأهل الدنيا إذا جاء موسمهم وإذا جاءت الأوقات التي يعلمون أن الناس يقبلون فيها على الشراء ويدفعون فيها الأموال ، بل إنهم يجمعون أموالهم ويهيئون أوقاتهم في مواسم معينة ، أو يتكاثرون في أماكن معينة قي أوقات معينة ، فماذا يصنع أهل الدنيا من التجار إنهم يفرغون وقتهم ويبذلون جهدهم ويواصلون ليلهم بنهارهم ويعملون كل الأساليب التي تجذب الناس إليهم ؛ فإن قلت لهم: لماذا لا ترتاحون قليلًا وعندكم أيام متوالية وعندكم شهور متتالية ؛ فإنهم يقولون إن هذا موسم ومن الجهل والحمق أن تفرط في هذا الموسم الذي فيه الأجر والذي فيه الربح الكثير ، ثم بعد ذلك تجتهد في أيام لا يأتيك فيها أحد وليست بموسم وليست بوقت إقبال.
فهذا موسم الخير جعله الله - سبحانه وتعالى - من فيض رحمته وجوده وعلمه بضعف العباد وأنهم لا يقوون على الطاعة الكاملة في كل وقت وفي كل حان فجعل لهم في أيام دهرهم نفحات تهب عليهم نسمات الإيمان وتتنزل عليهم بركات وخير الرحمن سبحانه وتعالى فتتهيج قلوبهم وتنبعث نفوسهم للطاعة والعبادة وهذا هو السر الذي يقبل لأجله الناس على الطاعات لأن الخير في هذا الشهر كثير ولأنه موسم محدود بأيام وليالي معدودة فمن فاته يوشك أن يكون محرومًا مطرودًا .
وليس ذلك وحسب بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم -ربط فضيلة هذا الشهر وربط لنا أجره بأمر عظيم وهو ما ذكره المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي عن رب العزة والجلال تبارك اسمه حينما قال: ( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) .
فالله - سبحانه وتعالى - يطلع على صومك ويرى إخلاصك ومراقبتك له سبحانه وتعالى فيجعل جزاء الصوم منه مباشرة وكل الأعمال جزاءها من الله ولكن هذا التخصيص لمزيد من الفضل ولمزيد من بيان سر هذا الصوم وهذه العبادة ؛ لأن فيها كمال الإخلاص لله - سبحانه وتعالى - فماذا يقول في هذا الحديث ؟