إن لعلماء الكلام وأهل التأويل، موقفًا خاصًا وهم يتعاملون مع هذه الظاهرة اللغوية، وخاصة في القرآن الكريم، لأن الاقتصار عليها عندهم قد يؤدي إلى الغلط فالتأويل لا بد منه، وهو مطلب ضروري في النظر إلى معاني القرآن الكريم، وهذا بعد تحكيم العقل والسماع، لأن العملية التأويلية تتطلب هذه الشروط بالإضافة إلى تحكيم الرأي والعقل الذي لا يتعارض مع السماع، وذلك بهدف البحث عن النواحي الداخلية أو الباطنية للنص ذاته، لتصل في النهاية إلى تحقيق الارتباط بين المنقول والمعقول والمشروع معًا، لأن النص إذا أدى آخذه على الظاهر إلى المحال أو الاستحالة العقلية أو الشرعية، يجب حينئذ إزالة هذا المحال ومعالجته بالتأويل بحثًا عن دلالة داخلية سعيًا إلى الوصول ما أمكن إلى حقائق المعاني المتوخاه من النص، وهذا ما حاول علماء الكلام أن يحققوه خلال ما بذلوه من جهود في تأويل نصوص القرآن على خلاف بينهم طبعًا، وهذا الخلاف ناتج عن الاختلاف في اعتماد القرائن الموجهة.
وقد يذهب المتأمل في النص القرآني وفي ذهنه عقيدة يريد أن يثبتها ولا يريد أن يتجافى عنها، وإذا عارضه ظاهر النص اضطر إلى التأويل، فالزمخشري وهو يفسر قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (( 44) .قال:"من السماء"فيه وجهان أحدهما: من ملكوته
في السماء لأنها مسكن ملائكته ثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره" (45) ."
الثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها فقيل لهم على حسب اعتقادهم،"أأمنتم"من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو حاصب" (46) ."
فخالف الزمخشري في تأويل ظاهر الآية لكي ينزه الله عن الجهة والمكان وفي الحقيقة أن هذا التأويل يتفق فيه بعض المفسرين فقد قال الرازي:"... كانت العرب مقرين بوجود الإله لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة، فكأنه تعالى قال لهم:"أتعلمون من قد أقررتم بأنه في السماء واعترفتم له بالقدرة ما يشاء أن يخسف بكم الأرض، أو تقدير الآية من في السماء سلطانه وملكه والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان الله وتعظيم قدرته، كما قال:"وهو الله في السماوات وفي الأرض"، أي نفاذ أمره وقدرته وجريان مشيئته في السماوات وفي الأرض أو يكون المراد"من السماء"هو الملك الموكل بالعذاب وهو جبريل عليه السلام، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر الله وإذنه" (47) ."
ومن الأدلة التي يعتمد عليها لرد هذا التأويل الذي ذهب إليه الرازي، أنه قال:"من في السماء"وهي للعاقل، وحملها على الملك أو العذاب هو إخراج للفظ عن ظاهره بلا قرينة تستدعي ذلك، بل إن هناك مجموعة من القرائن تدل على إثبات العلو لله تعالى منها قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ... (( 48) فهو صريح أيضًا في صعود أقوال العباد وأعمالهم إليه يصعد بها الملائكة.
وأخبر موسى فرعون الطاغية بأن إلهه في السماء، فأراد فرعون أن يلتمس الأسباب للوصول إليه تمويهًا بها على قومه، فأمر وزيره هامان أن يبني له الصرح ثم عقب على ذلك بقوله:"وإني لأظنه كاذبا" (49) أي موسى كاذبًا فيما أخبر به من كون إلهه في السماء،"وعليه فيكون من أنكر أن يكون الله في السماء كينونة هو أعلم بها، شبه فرعون في تكذيبه لموسى في كون إلهه في السماء، وعليه تكون الدلالة في الآية المركزية أن"في"بمعنى"على"حتى لا يجوز أن يفهم أن السماء ظرف له سبحانه وتعالى، فيكون سبحانه في أعلى علو، وهذا أيضًا تأويل للذين يعارضون التأويل" (50) قوله تعالى لعيسى عليه السلام:"يَا عِيسَى إنّي مُتَوَفِيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ" (51) وقوله تعالى: (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ (( 52) .
(يُتْبَعُ)