والترصيع والإفراط في الصفة وائتلاف اللفظ مع المعنى.
ولعلّ أوّل محاولة علمية جادّة في مجال علم البديع تلك المحاولة التي قام بها ابن المعتزّ سنة 274هـ.، إذ كان السبّاق إلى جعل تلك الفنون تحت اسم «البديع» في كتاب خاصّ يحمل الاسم نفسه، فكان أوّل من فنّن منهج البلاغة ووسائل تحسين الأسلوب الأدبي، وأوّل من فتح الطريق أمام كثير من علماء البلاغة الذين استهوتهم هذه الصّنعة، فاستخرجوا أنواعا لا تحصى، وبذلك كان ابن المعتز واضع علم البديع، في أوّل كتاب يحمل معنى هذا العلم، وقد أشار إلى ذلك في كتابه بقوله:
«وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد» [1] . وقد ضمّن ابن المعتزّ كتابه هذا الألوان البديعية التي سادت عصره، وهي ثمانية عشر نوعا، أطلق على الخمسة الأولى منها مصطلح «البديع» ، وهي: الاستعارة، التجنيس، المطابقة، ردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها، والمذهب الكلاميّ وأطلق على الأنواع الأخرى مصطلح «محاسن الكلام والشعر» ، وهي: الالتفات، الاعتراض، الرجوع، حسن الخروج، تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، تجاهل العارف، الهزل الذي يراد به الجدّ، حسن التضمين، التعريض والكناية، الإفراط في الصفة [2] ، حسن التشبيه، إعنات الشاعر نفسه [3] ، وحسن الابتداء، دون أن يبيّن سبب فصل أنواع البديع عن محاسن الكلام رغم أنّهما مصطلحان لموضوع واحد. هذا ولم يذكر ابن المعتز في كتابه من سبقه إلى بحث في قضايا البديع سوى الأصمعيّ الذي قال إنّ له بحثا في الجناس، والجاحظ الذي قال إنّه أوّل من سمّى «المذهب الكلاميّ» . وهذا يعني أنّ معظم هذه الأنواع سبقه إليها من تقدّمه، أمّا الأنواع المبتكرة فهي: ردّ أعجاز الكلام على ما تقدّمها، تأكيد المدح بما يشبه الذمّ، الهزل الذي يراد به الجدّ، تجاهل العارف، وإعنات الشاعر نفسه (لزوم ما لا يلزم) .
ومن النقّاد الذين تلقّفوا محاولة ابن المعتزّ هذه معاصره الذي خلفه في أوائل القرن الرابع الهجريّ قدامة بن جعفر، إذ جمع من البديع أنواعا كثيرة بلغت عنده
(1) كتاب البديع ص 58.
(2) المبالغة.
(3) لزوم ما لا يلزم.