قوله: «ومن كلّ هذا نستطيع أن نحكم بأسبقية الحلّيّ على ابن جابر في نظم البديعية، ولكن لا نستطيع أن نقول أنه أوّل من ابتكر فنّ البديعيات ذلك لأننا نعلم أنّ شاعرا اسمه الشيخ علي بن عثمان الإربلي الصوفيّ قد نظم قصيدة لاميّة ضمّنها جملة من أنواع البديع، نوعا في كل بيت» [1] ، فهو يعترف للإربليّ بوضع حجر الأساس في ابتكار هذا الفنّ، إلّا أنه يضع الحلّيّ في مكان الريادة والتشييد والبناء لصرح هذا الفنّ في أوّل قصيدة يطلق عليها اسم «بديعيّة» . ثمّ إن كلام ابن معصوم الذي أشار إليه أحمد إبراهيم موسى يوحي بأنّ الإربليّ هو أوّل من نظم قصيدة وأدخل فيها أنواع البديع، ولم يكن أوّل بديعيّ، ثمّ ناقش موقف الصفيّ مع ابن جابر كأول من نظم تلك القصائد على هذا النظام المتّبع في «البديعيات» ، إذ يقول: «وأما نظم أنواع البديع على هذا الوزن والرويّ الذي نظم عليه الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ فلا أتحقق أيضا أنّ الشيخ صفي الدين هو أوّل من نظم إليه، فإنه كان معاصرا للشيخ ابن جابر الأندلسيّ الأعمى ولا أعلم من السابق منهما إلى نظم بديعيته على هذا الأسلوب» [2] .
وقد استدل علي أبو زيد على ريادة الحلّيّ على الإربليّ بأنّ الإربليّ لم يكن أوّل من نظم أنواع البديع، بل سبقه إلى ذلك يحيى بن عبد المعطي الزواويّ المتوفّى سنة 628هـ.، إلّا أنّ تلك المحاولات لم تجد نفعا، ولم تصبح البديعيّة معها خلقا سويّا إلّا على يد صفيّ الدين الحلّيّ [3] .
وريادة صفيّ الدين أو أسبقيته على ابن جابر لا تعني بالضرورة أن يكون ابن جابر قد اطلع على بديعية الحليّ وجاراها، بل ربما كان كلّ منهما قد نظم بديعيته دون أن يطلع على صنيع الآخر، وذلك يعود لتشابه بعض الدوافع والعوامل والظروف المهيّئة لظهور مثل هذا الفنّ، وما يؤكد ذلك أنّ حسين بن سليمان الحلبي الطائي مثلا المتوفّى سنة 770هـ.، نظم قصيدة في سبعمئة بيت ضمّت أنواع البديع، سمّاها «زهر الربيع في علم البديع» [4] ، دون أن يذكر أحد شيئا من أسبقيّته على ابن جابر.
(1) «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 190.
(2) أنوار الربيع في أنواع البديع لابن معصوم 1/ 3231.
(3) البديعيات في الأدب العربي ص 68.
(4) كشف الظنون 2/ 960.