ومع هذا، يبقى صفيّ الدين الحلّيّ أوّل من نهض بفنّ البديعيّات، وحمل لواءه وحاز به قصب السّبق، وتبقى قصيدته هي البديعية الأولى التي أطلقت عقال عشرات الشعراء فيما بعد لكي ينظموا في هذا الفنّ الجديد.
وبعد هذا كلّه، أصبح يسيرا تقدير الزمن الذي نشأت فيه البديعية الأولى من خلال حياة ناظمها الأوّل، إذ كانت ولادته سنة 677هـ.، ووفاته سنة 750هـ. ويشير علي أبو زيد إلى ذلك بقوله: «وبما أنّه أشار إلى أنه نظم بديعيته بعد خوضه بحار العلم والمعرفة، وقراءة الجمّ الغفير من الكتب، وبما أنّ نظم البديعية يحتاج إلى مهارة في نظم الشعر وخبرة فائقة به، وذلك كلّه لا يتأتّى للمرء إلّا على مرور الأيام، والحياة الطويلة، فإنني أقدّر أن تكون أوّل بديعية ظهرت في النصف الأوّل للقرن الثامن الهجري، وفي عقده الخامس» [1] .
وبظهور بديعية الحلّيّ، انطلق ركب البديعيات يمخر عباب التراث الأدبيّ في العالم العربي، ويسجّل على صفحاته معالمه وآثاره التي استمرّت إلى عهد قريب (مطلع القرن العشرين) على امتداد نحو سبعة قرون من عمر هذا التراث، وفي مختلف أصقاع الدولة العربية الإسلامية، حتى أضحى بين أيدينا ما يربو على مئة بديعية، كلها تمدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وتنظم في ثناياها فنون البديع، توارث فنّها الشعراء جيلا بعد جيل، فرغب فيها شعراء النصارى، ونظموا بديعيات في مدح السيد المسيح، عليه الصلاة والسلام، على غرار بديعيات المسلمين، كما انتقلت إلى لغات العالم الإسلاميّ، فنظم شعراء الأتراك بديعيات باللغة التركية، ونظم شعراء فارس أخرى باللغة الفارسيّة، ونظم أهل السند والهند بديعيات باللغة الأورديّة [2] .
ولكن يبقى هناك سؤال يتبادر إلى الذهن، وهو: ما الهدف الأوّل من البديعيات، وكيف تطوّر ليصبح فنّا قائما بذاته؟!
من خلال الاطلاع على بدايات هذا الفنّ، يتبيّن لنا أن الهدف الرئيس من نشوء هذا الفنّ هو المدح، بل هو مديح رسول الله محمّد (صلى الله عليه وسلم) .
ويؤكد هذا ما جاء في مقدّمة شرح البديعية الأولى لصاحبها صفيّ الدين الحليّ إذ
(1) البديعيات في الأدب العربي ص 70.
(2) انظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد (البديع) ص 22ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها ص 224.