قال: «فجمعت ما وجدت في كتب العلماء وأضفت إليه أنواعا استخرجتها من أشعار القدماء، وعزمت أن أؤلّف كتابا يحيط بجلّها، إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلّها، فعرضت لي علّة واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة من النبي عليه أفضل الصلاة والسلام يتقاضاني المدح، ويعدني البرء من السقام فعدلت عن تأليف الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع» [1] . فما عدوله عن تأليف كتاب في البديع إلّا لوجود هدف أوّل هو المديح الذي جعله يعدل عن الهدف الثاني (التأليف البديعي) ، بل جعله يجمع بين الهدفين في وسيلة واحدة هي هذه القصيدة المنظومة، حتى صار التأليف البديعي ضمن قصيدة مدحيّة سنّة سنّها الصفيّ لمن أراد بعده أن ينظم فنون البديع في قصيدة شعريّة وهذا ما يفسّر تسمية قصيدته ب «البديعية» وإطلاق هذه التسمية على ما يليها من «البديعيات» مع ما تضمّنته من المقوّمات والشروط والصفات التي جاء بها لتكون قواعد لنظم البديعيّة.
وهذا ما يدلّ أيضا على أن قصيدة الزواويّ لم تسمّ «بديعيّة» وإن كانت مؤلّفة في علم البديع، ذلك لأنها لم تكن في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولم توافق بمواصفاتها مواصفات «البديعية» التي سنّها فيما بعد الصفيّ وهذا نفسه يدلّ على أنّ قصيدة الإربليّ لم تكن بديعيّة لأنّها كانت في مدح بعض معاصريه، وفق مواصفات أخرى وقيل: في موضوع غزليّ [2] .
وهذا لا يعني أنّ كلّ قصيدة في مدح الرسول، (صلى الله عليه وسلم) ، هي «بديعية» ، فقصيدة البوصيري وقصيدة كعب بن زهير قبله وغيرهما، لم يطلق عليهما اسم «بديعية» لعدم تعرضهما لأنواع البديع وفنونه.
وإذا كان الحلّيّ قد نهج نهج البوصيري في المديح، فإن شعراء البديعيات قد نهجوا نهج الصفيّ في المديح والتأليف البديعيّ المنظوم، حتى غدت بديعيّته محطّ أنظار جميع من أحبّ هذا الفنّ ونظموه، فراحوا يضعونها نصب أعينهم لمعارضتها والتأليف على نسقها وبهذا تحوّلت البديعية من قصيدة مدحية تتضمن علوم البديع إلى فنّ يجمع بين المدح وعلم البديع كشرط أساسيّ من شروطها، وهذا ما دفع
(1) شرح الكافية البديعية ص 54.
(2) انظر فوات الوفيات 2/ 118ومعجم المصطلحات البلاغية وتطورها ص 224.