فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 1046

وإذا جاز لي أن أتحدّث عمّا اعترضني من صعوبات في تحقيق هذه الخزانة ودراستها فإنّي أقولها صريحة بيّنة: إنّ «التحقيق» بعد التجربة والمعاناة لم يكن بالعمل السهل، كما كنت أظنّ قبل، بل ما أصدق الجاحظ بقوله فيه: «ولربّما أراد مؤلّف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حرّ

اللفظ وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتّى يردّه إلى موضعه من اتّصال الكلام» [1] .

فقد كان «التحقيق» لديّ، بما للكلمة من معنى، بذل عناية وجهد كبيرين للوصول إلى الحقيقة، سواء كان ذلك في تحقيق عنوان الكتاب واسم مؤلّفه أو في تحقيق متنه حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربا لنصّ مؤلفه. ولعلّ أبرز تلك الصعوبات بدأت أثناء قراءتي للمخطوطات نظرا إلى ما في الخطّ القديم من إهمال لبعض النقط والإعجام، ومن إشارات كتابيّة لم أستطع فهمها إلّا بعد الممارسة والاطلاع، وهذا ما حدا بي إلى تعلّم قواعد الخطّ القديم بأنواعه والاطلاع عليها، بالإضافة إلى تصحيف النسّاخ وتحريفهم وأخطائهم الخطّية والإملائية والنحويّة.

ثمّ بدأت الصعوبات والعوائق تكبر، ولعلّ أبرزها: ضبط النصّ وتحريره، وعزو الأشعار إلى قائليها وتخريجها، ولا سيّما أشعار العصر المملوكيّ، وقد بلغت من الكثرة ما يوازي نصف الكتاب، فقد ذكر ابن حجّة زوايا كاملة من شعر شعراء عصره ما لم أجد لها ديوانا أو مصدرا إلّا كتابه هذا، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى كثرة ما تعرّضت له الكتب آنذاك من نكبات وإحراق وضياع على أيدي أهل الجهل من المغول والتتار وغيرهم ممّن ساهموا في فقدان قسم كبير من مصادر التراث المملوكيّ إلّا أنّي لم آل جهدا في التفتيش والبحث والتنقيب عنها في بطون أمّهات الكتب، ولم أضنّ بجهد أو بوقت في سبيل تحقيق الغاية المتمثّلة بتحقيق «خزانة الأدب وغاية الأرب» .

وبعد هذا، أقول: أن ليس من أحد يستطيع أن يخرج هذا الكتاب من الظلمات إلى النور مبرّأ كلّ البراءة من العيب، سليما كلّ السلامة من التحريف، فهذا عصر قد انقطعت كما يرى عبد السلام محمد هارون [2] دونه الرواية، وأوصد أمامه بعض أبواب العلم، واختفى عن الناس فيه كثير من أعلام الثقافة العربية في ذاك العصر إلّا أنّني لست ممّن يدّعي العصمة أو يخال فيه السلامة، ولكن حسبي أنّي بذلت فيه غاية الجهد، والتزمت جانب الأمانة، فلم أتصرّف بأيّ حرف إسقاطا أو زيادة إلّا استأذنت

(1) الحيوان 1/ 79وتحقيق النصوص ونشرها (عبد السلام هارون) ص 5352.

(2) الحيوان 1/ 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت