فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 1046

على بديعيّة الصفيّ وعارضها [1] ، إلّا أنّ بديعيّته قد اتّصفت بما اتّصفت بها بديعية الصفيّ من مميّزات، لم لا، ومصدر المعارضة واحد؟ فكلاهما عارض البوصيريّ، فاستراح من البحث عن بحر وقافية وموضوع لقصيدته، وأمّا لماذا جعل مدحته هذه تشتمل على الفنون البديعية، فلعلّه تأثر بقصيدة الإربليّ الذي جمع بعض فنون البديع في منظومة غزليّة، فرأى أنّه من الأفضل أن يلتقي «البديع» و «المديح النبويّ» في قصيدة واحدة، آخذا بطابع التأليف الطاغي على عصره في الصنعة والبديع.

ولعلّ ابن جابر قد نظم بديعيته وفي ذهنه أمران: أوّلهما مدح «النبي» (صلى الله عليه وسلم) ، والتقرّب من الله تعالى بمدحه. والثاني: نظم أنواع البديع ضمن هذه القصيدة، لتخرج فريدة في نوعها، بديعة في مضمونها، يقترن فيها الجانب الوجداني بالجانب العلميّ في قالب فنّيّ طريف، كما أنّه لا ينسى أن عصر ابن جابر هو عصر المنظومات التعليمية التي قدّمت قواعد العلوم والفنون في قالب شعريّ، تسهيلا لحفظها [2] ، وإن كانت شعرا جامدا خاليا من العاطفة، إلّا أنّ ابن جابر قد تخلّص من هذا الجمود بمقدرته الشعريّة واستطاع أن يقدّم قصيدة فيها من الإحساس والعاطفة بقدر ما فيها من قضايا علمية.

وقد التقى ابن جابر مع صفيّ الدين في كثير من صفات بديعيّته، كوضوح المعاني وسلاسة الألفاظ، وعدم التكلّف، وصدق الإحساس الوجدانيّ، وفي عدم الالتزام بتسمية النوع البديعيّ في البيت، ولكنه خالفه من جهة عدم الإكثار من المحسّنات في قصيدته، جاريا فيها على طريقة بدر الدين بن مالك من حيث تقديم المحسّنات اللفظيّة على المعنويّة.

وتقع بديعية ابن جابر في مئة وسبعة وسبعين بيتا، ضمّنها من أنواع البديع كلّ ما ذكره الخطيب القزوينيّ في «إيضاحه» و «تلخيصه» ، والتزم بذكر هذه الأنواع ونظمها كما أوردها القزوينيّ، إلّا أنه خالفه في تقديم القسم المتعلّق بالألفاظ على القسم المتعلق بالمعاني من الأنواع البديعيّة.

(1) وقد سبق الحديث عن هذه البديعية في الفصل الثاني أثناء الكلام على نشأة البديعيات، حيث تمّ الفصل بينها وبين بديعية الصفي بأسبقية هذه عليها.

(2) وقد نظم ابن جابر نفسه منظومة تعليمية أخرى تتضمن «فصيح» ثعلب. (مقدمة الحلة السيرا ص 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت