فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 1046

وتفوقها، وقد دفعه إلى المضيّ قدما في هذا الميدان صديقه ناصر الدين محمد بن البارزيّ الذي وقف في دمشق على بديعية عزّ الدين الموصليّ، ورسم له مخطّط معارضتها، وربّما كانت رغبة البارزي فيما بعد، هي نفسها التي دفعته إلى شرح هذا الكتاب الضخم، بل ربما كانت هناك دوافع أخرى غير رغبة ابن البارزيّ، كحبّ ابن حجّة للمعارضات والشهرة وحبّ الظهور، إذ صرّح في خطبة خزانته بمعارضته الصفيّ والموصليّ، والبوصيريّ في بردته كذلك، فأراد أن يجمع محاسن الثلاثة ليبزّهم ويتفوّق عليهم، هذا بالإضافة إلى دافع حبّه للتأليف والاستكثار فيه، ولما وقعت بين يديه مجموعة من كتب البلاغة والبديع، وأتيح له الوقوف عليها، أخذ على نفسه أن ينظم هذه البديعية ويعكف على شرحها، إلّا أنّ الدافع الأوّل وهو رغبة ابن البارزيّ يبقى على رأس هذه الدوافع، وقد أشار إلى ذلك كلّه في خطبة خزانته، إذ قال: «فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه (صلى الله عليه وسلم) ، على منوال طرح البردة، كان مولانا الناصريّ محمد بن البارزيّ الجهنيّ الشافعيّ، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية هو الذي ثقّف لي هذه الصعدة، وحلب ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة، وما ذاك إلّا أنّه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عزّ الدين الموصلي التزم فيها تسمية النوع البديعيّ، وورّى به من جنس الغزل، ليتميّز بذلك على الشيخ صفيّ الدين الحلّيّ لأنّه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل، غير أنّ الشيخ عزّ الدين ما أعرب عن بناء بيوت ما أذن الله أن ترفع، ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبي الإصبع، وربّما رضي في الغالب بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمّى، ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدّة ما عقده نظما [من الطويل] :

فيا دارها بالخيف إنّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال [1]

فاستخار الله مولانا الناصريّ ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام، وأجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه، وخراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس، ويقول: بيت الصفيّ أصفى موردا وأنور اقتباس، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر

(1) تخريج هذا البيت في خطبة خزانة الأدب وغاية الأرب 1/ 305.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت