المعارضة» [1] . فمن خلال هذا المقطع يتّضح لنا أنّ ابن حجّة الحمويّ كان إذا أراد نظم النوع البديعيّ وشرحه رجع في شرحه إلى الكثير من كتب البلاغة، وقارن بين تعريفات البلاغيين له، ورجع إلى ما ذكره أصحاب البديعيات، ثم يستخلص لنفسه رأيا في تعريف هذا النوع، مشيرا إلى مخترعه أو السابق إلى اكتشافه أو معرفته، وهو في كلّ ذلك يتمتّع بشخصيّة الناقد البلاغيّ، إذ يذكر الأنواع ويعرّفها ويعرّج عليها بالنقد، فيقبل منها ما أعجبه، ويعرض عن غيره، معلّلا الأسباب، فكثيرا ما كان يأخذ من هذا الكتاب لسبب، ويترك رأي مؤلف ذلك الكتاب لسبب، ويصوّب رأي فلان، ويسفّه رأي آخر، ويستحسن رأي زيد، ويمجّ رأي عمرو وهذا كلّه لا يتأتّى للمرء إلّا بعد سعة اطلاع وتعمّق في كتب البلاغة ونقدها.
ولتتضّح صورة النقد البديعيّ أكثر في كتابه يستحسن إيراد ما قاله عن «الاشتقاق» ومناقشته له، فتتضح بذلك معالم سعة اطلاعه وقيمة منهجه النقديّ، إذ يقول: «هذا النوع، أي الاشتقاق، استخرجه الإمام أبو هلال العسكري، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف ب «الصناعتين» ، وعرّفه بأن قال: «هو أن يشتقّ المتكلّم من الاسم العلم معنى، في غرض يقصده، من مدح أو هجاء أو غيره، كقول ابن دريد في نفطويه (من السريع) :
لو أوحي النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا العلم يعزى إليه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صياحا عليه [2]
وهذا النوع، ما ذكره القاضي جلال الدين القزوينيّ في «التلخيص» ولا في «الإيضاح» ، ولا ذكره الشهاب محمود في «حسن التوسّل» ، ولا نظمته العميان ولا غيرهم من أصحاب البديعيات، غير الشيخ صفي الدين الحليّ، وبيت بديعيته، التي ذكر أنه جمعها من سبعين كتابا، قوله:
لم يلق مرحب منه مرحبا ورأى ... ضدّ اسمه عند هدّ الحصن والأطم [3]
الشيخ صفيّ الدين اشتقّ من اسم «مرحب» «الترحاب» ، حتى يقابله بضدّه، وهذا هو الغرض الذي أراده الناظم.
(1) خزانة الأدب وغاية الأرب، باب «الاشتقاق» .
(2) البيتان مخرّجان في باب «الاشتقاق» .
(3) البيت مخرّج في باب «الاشتقاق» .