فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 1046

بديعيّ يمدّه بمخزون كبير من الاطلاع على كتب البلاغة وفنون البديع، بالإضافة إلى الممارسة الطويلة للقراءة والكتابة والدربة على النظم وتدبيج البديع واقتناصه نظما ونثرا. كما تتّضح من هذا النصّ الغاية الأولى التي نظم بديعيّته في سبيلها، ألا وهي معارضة الحلّيّ والموصليّ بشكل خاصّ، وذلك من خلال المقارنة التي اتخذها مقدّمة للوصول إلى نتيجة التدليل بحسن صنيعه وتفوّقه على عميدي فنّ البديعيات في ذلك العصر.

ويقودنا هذا النصّ إلى استنتاج بعض ميّزات ابن حجّة في مواقفه ممّن سبقه من الكتّاب والأدباء والشعراء بصورة عامّة وممّن سبقه إلى نظم البديعيات وشرحها بصورة خاصة. فكثيرا ما نجده يعترض على أمر ما عند بعض الشعراء، أو يبيّن سرقة شاعر أو أفضلية آخر، أو يتتبّع المعاني التي أخذها شاعر من آخر، كتتبّعه للمعاني التي أخذها صلاح الدين الصفديّ من جمال الدين بن نباتة، أو التي أخذها هذا من الوداعيّ، وينقد عليهم أشعارهم مبيّنا وجوه الخطأ فيها ووجوه الصواب، أو ينبّه على ما أغفلوه، ولا سيّما أثناء المقارنة بين أبيات أصحاب البديعيات، فيقول، مثلا: «والعميان لم ينظموا هذا النوع» أو يعتذر عن بعضهم، مبيّنا أعذارهم، ولا سيّما في دفاعه عن الموصليّ في بعض العقادة التي جاء بها التزامه بتسمية النوع البديعيّ، أو في عدم نظم العميان لنوع تافه من الأنواع البديعية، فيتمنّى لو كان معهم، لولا إلزامية المعارضة. ومن ناحية أخرى تجده يؤيّد آراء البعض أو يدافع عنهم، أو يستحسن اعتراض غيره على فلان، أو يورد آراء فلان في الردّ على آخر، أو يعقّب على أقوال فلان، ومع هذا تراه يحمل على بعضهم حملة عنيفة، ثمّ يدّعي أنّ الأفضلية هي في بديعيّته وشرحها، كلّ ذلك مقرونا بالشواهد والبراهين وشهادات أصحابه له من المعاصرين والمحبّين والمقرّبين، وأكثر ما تتركّز آراؤه في أفضلية «بديعيّته» على غيرها أثناء المقارنة بين بيته وأبيات البديعيّات الثلاث، في آخر كلّ باب بديعيّ من أبواب الخزانة البالغة مئة واثنين وأربعين بابا، وقد سبقت الإشارة إلى رأيه وموقفه من البديعيات الثلاث وما قصّرت فيه، وأسباب ذاك التقصير، إذ دفعه ذلك كلّه إلى نظم بديعيّة يعارض بها تلك البديعيات، ويشرحها فتتوضّح غاية الأرب منها.

ولهذا كلّه، لم تعد «خزانة الأدب وغاية الأرب» كتابا مقصورا على البلاغة وتعريفات أنواعها وتسميتها، بل كانت معرضا لكلّ ما تزخر به ثقافة ابن حجّة الأدبية

من ضروب وفنون، فهو في أثناء الشرح ينقلك من البلاغة إلى الأدب، ومن النقد إلى الطرفة، ومن الخبر إلى الفنّ، وهذا ما جعل «خزانته» حديقة غنيّة بكلّ الثمار الشهيّة من الأشجار الحمويّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت