فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 1046

ولهذا كلّه، لم تعد «خزانة الأدب وغاية الأرب» كتابا مقصورا على البلاغة وتعريفات أنواعها وتسميتها، بل كانت معرضا لكلّ ما تزخر به ثقافة ابن حجّة الأدبية

من ضروب وفنون، فهو في أثناء الشرح ينقلك من البلاغة إلى الأدب، ومن النقد إلى الطرفة، ومن الخبر إلى الفنّ، وهذا ما جعل «خزانته» حديقة غنيّة بكلّ الثمار الشهيّة من الأشجار الحمويّة.

إذا، فقيمة هذا الكتاب تكمن في موضوعه ومضمونه، لما اشتمل عليه من الأنواع البديعية في «تقديم أبي بكر» وشرحها، وما حواه من شواهد كثيرة من القرآن الكريم، والحديث الشريف والشعر القديم والمعاصر له، وشواهد النثر، بالإضافة إلى البديعيات الثلاث الأخرى التي قام ابن حجّة بمعارضتها وشرحها، وما أودعه في خزانته من ثقافته الواسعة، وما حفظته تلك الخزانة من آراء بعض النقّاد والبلاغيّين الذين ضاعت كتبهم مع الزمن، وما نقلته من آثار بعض الأدباء الذين فقدت كتاباتهم مع ما فقد من التراث العربيّ آنذاك، فكانت بذلك مصدرا مهمّا لهؤلاء وهؤلاء.

وفي «شرح بديعيته» من الفوائد اللغوية والأدبية والنقدية والبلاغية والتاريخية وغيرها، فنون أكثرها من المستملح المستطاب. وهذا ما دفع محمود رزق سليم إلى القول فيه: «وما عليك إلّا أن تجمع تعريفاته البلاغية ومعها المثل أو المثلان، ثمّ تنحّيهما جانبا عن بقيّة «الخزانة» لتبدو لك بقيّتها مسرحا وضيئا متألّقا مليئا بجولات الأديب الذي فاضت صوره بالأدب اللباب، وسنح خاطره بالنقدات العذاب، وفيها ما فيها من حسن اختيار وسهولة عرض ودقّة تتابع وجمع للمتفرّق المتقارب» [1] .

ولعلّ «شرح بديعيته» من أوائل الكتب التي فتحت مجالا أمام شرّاح البديعيات بأن يضمّنوا شروحهم بديعيات أخرى، كادت أن تكون مفقودة لولا ذكرها في تلك الشروح، بل إنّ شرح بديعيته كان أهمّ من البديعية نفسها، إذ جعله شرحا مطوّلا حوّله فعلا إلى «خزانة أدب» أودعها كثيرا من معرفته وعلمه ونوادره وطرائفه والمساجلات الأدبية والنقدية التي دارت في عصره، والتي كان لها أثر كبير في تحريك عجلة النقد الأدبيّ الفنّي، فغدت بذلك موسوعة تجمع بين اللغة والأدب

(1) عصر سلاطين المماليك 6/ 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت