ثمّ يستدعي ابن حجّة شهوده ممّن أسماهم «نقّاد الأدب» ، فيورد شهادة بدر الدين الدمامينيّ المالكيّ المخزوميّ الذي قال عنه ابن حجة: إنه نقد وحكم، وقال وقوله في ليالي سطور الأدب أشهر من نار على علم ومنها: «شرطت على الناظر في أبيات هذه البديعية السنيّة أن يبدأ بتقديم أبي بكر، ويصرف لجهته ما هو معلوم من الشهادة السنيّة، علما بأنّ الإمام الذي لا شكّ في علوّ قدره، ولا مزيّة لسبقه في إحراز الفضل، ولكن بشيء وقر في صدره لقد أظهر من زوايا بديع الأدب خبايا، وجرّد جيوش بلاغة لا تعبأ بالحلّيّ ولو انتصر من أبيه بسرايا وأمّا العزّ فقد باء بالذلّ لتعقيد تركيبه وقلقه، وقيّد بسلاسل حروفها إلى مصرعه، وكانت ميم الرويّ غلّا في عنقه» [1] .
ثمّ أتبع ابن حجّة هاتين الشهادتين بشهادة رجل يعرف بإمام الحفّاظ وأعلاهم سندا، وهو أحد مشايخ الإسلام، الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن الجزريّ الشافعيّ، شيخ البلاد الشاميّة يومئذ بشيراز، قال [من الطويل] :
«ألم تر أنّ السّيف ينقص قدره ... إذا قيل: إن السّيف أمضى من العصا؟ [2]
ولا شكّ أن أبا بكر هو المقدّم، والقول والحكم له فيما حكم مسلّم، وهو بكلّ فضل أولى وأحقّ، وإذا قضى في بديعيّته بصواب، فالثالثة تقضي بالحقّ» [3] .
والجدير بالذكر أنّ شهادة كلّ من الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلانيّ، والشيخ بدر الدين الدمامينيّ، قد وردت كاملة في نهاية نسخة من نسخ «خزانة الأدب» ، وهي النسخة «ب» ، الجزء الثاني منها. وللأمانة العلمية أورد هاتين الشهادتين كاملتين. أمّا الأولى فهي للشيخ ابن حجر، وقد أشير إزاءها في الهامش بحاشية كتب فيها: «تقريظ العلّامة العسقلانيّ، رحمه الله تعالى» ، مشارا قبلها ب «حش» . وهذا نصّها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
هذه نسخة ما كتبه علامة العصر سيّدنا ومولانا قاضي القضاة شهاب الدين أحمد
(1) ستأتي هذه الشهادة كاملة بعد قليل، وقد أخذت من آخر النسخة ب، الجزء الثاني.
(2) انظر «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 205.
(3) انظر «ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا» ص 205.