فتحقّقت أنّ رأي من جاء يسعى في الفلك جالسا [1] غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد الظمأ بالمملوك وقد اتّخذ في البحر سبيله، وكم قلت من شدّة الظمأ: يا ترى، قبل الحفرة، أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة؟ [من البسيط] :
وهل أباكر بحر النيل منشرحا ... وأشرب الحلو من أكواب ملّاح [2]
بحر تلاطمت علينا أمواجه، حين [3] متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات دوائره مقام «مع» فنصبتنا [4] للغرق لمّا استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء استرقت موالينا [5] وهي جارية، وغشيهم منها في [6] اليمّ ما غشيهم ف {هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ الْغََاشِيَةِ} (1) [7] ؟ واقعها الحرب [8] فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاض، وانشقّ قلبها لفقد رجالها، وجرى ما جرى على ذلك القلب ففاض [9] ، وتوشّحت بالسواد في هذا المأثم [10] وسارت على البحر وهي مثل، وكم سمع فيها [11] للمغاربة على ذلك التوشيح زجل، برج مائيّ ولكن يعرب [12] في رفعها وخفضها عن النسر والحوت، وتتشامخ كالجبال، وهي خشب مسنّدة، من تبطّنها عدّ من المصبّرين في تابوت [13] ، تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأنّ بياضها سواد، وتمشي على [14] الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد، إن نقّر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود، وترقّصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود، وتتشامم [15] وهي، كما قيل، «أنف في السماء واست في / الماء» [16] ، وكم نطيل [17] الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصّعدة
(1) «جالسا» سقطت من ط.
(2) البيت لم أقع عليه في ما عدت إليه من مصادر.
(3) في ط، و: «حتّى» .
(4) في ط: «فنصبنا» .
(5) في ط: «مواليها» .
(6) في ب: «من» .
(7) الغاشية: 1.
(8) في ب: «البحر» وفي ط: «الريح» .
(9) في و: «ففاض ظ» .
(10) في د: «المأتم» .
(11) «فيها» سقطت من ب.
(12) في د: «تعرب» وفي و: «تغرب» .
(13) في ط: «التابوت» .
(14) في د: «في» وفي ط: «مع» .
(15) في ب، د، و: «تتشامم» وفي هـ ك:
«مم» ن.
(16) المثل في جمهرة الأمثال 1/ 166 والمستقصى 1/ 394والميداني 1/ 21.
(17) في ب، ط: «تطيل» .