ومنه قول النبيّ، (صلى الله عليه وسلم) [1] ، حين سئل من [2] مجيئه [عند خروجه] [3] إلى بدر، فقيل لهم: ممّن أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: «من ماء» [4] أراد: «أنّا مخلوقون من ماء» ، فورّى عنه بقبيلة يقال لها: «ماء» . ومنه ما روي عن النبيّ، (صلى الله عليه وسلم) [5] ، أنّه قال: «لا يزال المنام طائرا حتّى يقصّ، فإذا قصّ وقع» [6] . ففي الكلام توريتان، لفظة «طائر» ولفظة «يقصّ» ، ويحتمل أيضا أن [يكون] [7] في لفظة «وقع» تورية ثالثة.
ومنه قول أبي بكر [8] ، رضي الله عنه [9] ، في الهجرة، وقد سئل عن النبيّ، (صلى الله عليه وسلم) : من هذا؟ فقال: هاد يهديني. أراد أبو بكر، رضي الله عنه [9] ، «هاديا» يهديني إلى الإسلام، فورّى عنه ب «هادي الطريق» ، وهو الدليل في السّفر.
وكانت خواطر المتقدّمين عن [نظم] [11] التورية بمعزل [12] ، وأفكارهم مع صحّتها ما خيّمت عليها بمنزل، لكنّها ربّما وقعت لهم عفوا من غير قصد، لأنّهم على كلّ حال ولاة هذا الشأن وأدلّة هذا الركب. وقيل: إنّ أوّل من كشف غطاءها وجلا ظلمة إشكالها أبو الطيّب المتنبّي بقوله [من الطويل] :
برغم شبيب فارق السّيف كفّه ... وكانا على العلّات يصطحبان [13]
كأنّ رقاب الناس قالت لسيفه: ... رفيقك [14] قيسيّ وأنت يماني [15]
يريد أنّ كفّ شبيب وسيفه متنافران، فلا يجتمعان، لأنّ شبيبا كان قيسيّا والسّيف يقال له [16] «يماني» ، فورّى به عن الرجل المنسوب إلى «يمن» ، ومعلوم ما بين قيس
الشاعر: [من الرجز] :
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق»
وقد كتب فوقها: «حاشية» .
(1) في ب: «صلّى الله عليه وآله وسلّم» .
(2) في ب، د، ط، و: «في» .
(3) من ط.
(4) الحديث في البداية والنهاية لابن كثير 3/ 264وتهذيب سيرة ابن هشام ص 141 وفيهما: «نحن من ماء» .
(5) في ب: «صلى الله عليه وآله وسلم» .
(6) الحديث في شرح الكافية البديعية ص 135.
(7) من ب، د، ط، و.
(8) في ب: «أبي الصديق» مكان «أبي بكر» !
(9) في ب: «رضي الله تعالى عنه» .
(11) من ب، د، ط، و.
(12) في هـ د: «بيان: «بمعزل» .
(13) في ط: «مصطحبان» .
(14) في د: «خليلك» .
(15) البيتان في ديوانه ص 475وفيه:
«يمان» .
(16) «يقال له» سقطت من و، وثبتت في