وقد علم أنّ المتأخّرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها، والمتفكّهون في أدواح الأدب بثمراتها، فإذا جليت عرائس [1] أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يملّ المتأمّل، أللهمّ إلّا أن يكون سيف ذهنه كليلا، فنقول [2] : إنّه من هذا الفنّ متنصّل، فإنّ هذه العرائس لم تبرز لمتأمّل إلّا من خدور هذا الكتاب، فإذا [3] طلبها من غيره [4] توارت عنه بالحجاب، فإذا سرّح المتأمّل طرفه وأمسى في كلّ واد من محاسنها يهيم، وتنوّعت حلاوات أنواعها لذوقه السّليم، جرّدت سيف العزم وأقمت لكلّ نوع حدّا، ونظمت له [5] من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع [6] عقدا، فإنّ الشيخ صفيّ الدّين [7] الحلّيّ لم يذكر في شرح بديعيّته نوعا من أنواع التورية، ولا قسما من أقسامها، بل ذكر حدّ التورية الذي أجمع الناس عليه [8] ، وقال: هي أن يأتي المتكلّم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد، فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء [9] بقرينة يظهر منها أنّ مراده البعيد.
قلت: ومن أين يعرف الطالب من هذا الحدّ التورية المجرّدة، والتورية المرشّحة وقسميها، والمبيّنة [10] وقسميها، والمهيّأة وأقسامها؟
وكذلك العلّامة زكيّ الدّين [11] بن أبي الأصبع لم يذكر في كتابه المسمّى ب «تحرير التحبير» [12] نوعا من أنواعها ولا قسما من أقسامها، مع أنّ كتابه ما وضع في هذا الفنّ له نظير، بل قال: التورية، وتسمّى «التوجيه» ، وهي أن تكون الكلمة تحتمل [13] معنيين، فيستعمل [المتكلّم] [14] أحد [15] احتماليها، ويهمل الآخر، ومراده [16] ما أهمله، لا ما استعمله.
(1) في و: «جليت عرائس» .
(2) في ط: «فيقول» .
(3) في ب، د، ط، و: «وإذا» .
(4) في ب: «غير» .
(5) «له» سقطت من و، ثبتت في هامشها مشارا إليها ب «صح» .
(6) في ب، و: «الشرح» مكان «النوع» .
(7) «صفي الدين» سقطت من ب.
(8) في ب: «عليه الناس» .
(9) في ب: «يأتي» .
(10) في ب، د، ط «والمبنيّة» .
(11) «زكي الدين» سقطت من ب.
(12) في ب: «تحريره» مكان «كتابه
التحبير».
(13) في ط: «يكون الكلام يحتمل» .
(14) من د، ط، و.
(15) في ب: «أحدهما» ، وفي هامشها:
«أحد» .
(16) في ط: «مراده» .