فهرس الكتاب

الصفحة 7092 من 12961

وأهل السنة قالوا: معناه أنه - تعالى - أمر الرسول بالتبليغ فوجب عليهم، فأمَّا أن الإيمان هل يحصل، أو لا يحصل؟ فذلك لا يتعلق بالرسولِ - صلوات الله وسلامه عليه - ولكنه تعالى يهدي من يشاءُ بإحسانه، ويضل من يشاء بخذلانه، ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فإنه يدلُّ على أنه - تعالى - كان أبدًا في جميع الأمم؛ آمرًا بالإيمان، وناهيًا عن الكفر.

ثم قال: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} أي: فمنهم من هداه الله إلى الإيمان، ومنهم من أضله عن الحق، وأوقعه في الكفر، وهذا يدلُّ على أنَّ أمر الله لا يوافق إرادته؛ بل قد يأمر بالشيء ولا يريده، وينهى عن الشيء وييده، وقد تقدم تأويلات المعتزلةِ، وأجوبتهم مرارًا.

والطاغوتُ: كل معبودٍ من دون الله، وقيل: اجتنبوا الطَّاغوت: أي طاعة الشيطان.

قوله: {أَنِ اعبدوا الله} يجوز في «أنْ» أن تكون تفسيرية؛ لأنَّ البعث يتضمن قولًا، وأن تكون مصدرية، أي: بعثناه بأن اعبدوا.

قوله: {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} يجوز في «مَنْ» الأولى أن تكون نكرة موصوفة، والعائد على كلا التقديرين محذوف من الأول، وقوله «حقَّتْ» يدل على صحة مذهب أهل السنةِ؛ لأنَّه تعالى لمَّا أخبر عنه أنَّه حقت عليه الضلالة، امتنع أن لا يصدر منه الضلالة، وإلاَّ لانقلب خبر الله تعالى الصدق كذبًا، وهو محال؛ ويؤيده قوله: {فَرِيقًا هدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة} [الأعراف: 30] ، وقوله: {إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [يونس: 96] وقوله: {لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} [يس: 7] ثم قال - عَزَّ وَجَلَّ: {فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين} أي: مآل أمرهم، وخراب منازلهم بالعذاب، والهلاك؛ فتعتبروا، ثم أكد أنَّ من حقت عليه الضلالة؛ فإنه لا يهتدي؛ فقال تعالى: {إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ} أي: تطلب بجهدك ذلك؛ {فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} .

قوله {إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ} قرأ العامة بكسر الراء، مضارع حرص بفتحها، وهي اللغة الغالبة لغة الحجاز.

وقرأ الحسن، وأبو حيوة: «تَحْرَص» بفتح الراء، مضارع حرص بكسرها، وهي لغة لبعضهم، وكذلك النخعيُّ: إلاَّ أنه زاد واوًا قبل: «إنْ» فقرأ: «وإنْتحرصْ» .

قوله: «لا يَهْدِي» قرأ الكوفيون بفتح الياءِ، وكسر الدَّال، وهذه القراءة تحتمل وجهين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت