فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 473

مما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في هذا الباب ما استنبطه قدامة بن مظعون الجمحي (ت: 36 هـ) رضي الله عنه [1] من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) } [المائدة: 93] من جواز شرب المسكر له [2] اجتهادًا منه رضي الله عنه.

وسبب الخطأ في الاستنباط هنا هو الخطأ في تفسير الآية، ولذا قال له عمر (ت: 23 هـ) رضي الله عنه:"إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله" [3] [4] . وسبب هذا الخطأ عدم معرفة سبب النزول [5] .

(1) هو قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب أبو عمر الجمحي، من السابقين البدريين، ولي إمارة البحرين لعمر رضي الله عنه، له هجرة إلى الحبشة، توفي سنة 36 هـ وله ثمان وستون سنة وكان لا يغير شيبه. انظر ترجمته في: المنتظم لابن الجوزي: (5/ 115) ، وسير أعلام النبلاء: (1/ 161) ، الإصابة: (5/ 423) .

(2) ما ورد في نص القصة يُبين أنه فهم رضي الله عنه من الآية الجواز له، إلا أن الجصاص قال:"وأما قدامة بن مظعون فلم يشربها مستحلًا لشربها، وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو عليها ووجود الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه ... فكان عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع اعتقاده لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته". أحكام القرآن: (2/ 584) .

وذكر ابنُ عاشور ما يشبه أن يكون تحريرًا لما رآه قدامة رضي الله عنه فقال:"وقد تقدم أن بعضًا من السلف تأول هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتقى الله فيما عد، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرمات، ولا إلى إضرار بالناس. وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون". التحرير والتنوير: (7/ 37) .

(3) انظر هذا الاستنباط في: مصنف عبد الرزاق: (9/ 17076) ، سنن الدارقطني في الحدود: (3/ 166) ولم يذكر اسم الصحابي، أحكام القرآن للجصاص: (2/ 584) ، أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 126 ـ 128) ، المحرر الوجيز لابن عطية: (576) ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (6/ 280) ، مجموع الفتاوى لابن تيمية: (11/ 403 ـ 404) ، إعلام الموقعين لابن القيم: (1/ 265) الموافقات للشاطبي: (3/ 259 ـ 260) ، الإصابة لابن حجر: (5/ 425) ، التحرير والتنوير لابن عاشور: (7/ 29، 37) .

وروي مثل هذه القصة عن غيره ـ بلا تعيين ـ زمن عمر رضي الله عنه. انظر: شرح معاني الآثار: (3/ 154) ، وأحكام القرآن للجصاص: (2/ 583) ، أحكام القرآن للكيا الهراسي: (3/ 103) ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (6/ 282) ، الدر المنثور للسيوطي: (3/ 174) ، التحرير والتنوير لابن عاشور: (7/ 29) ، مرويات الإمام أحمد في التفسير: (2/ 78) برقم: (189) .

(4) ومن الفِرَق من تمسكت بهذا المعنى وغيره ويزعمون سقوط بعض الواجبات عنهم عند مداومة الرياضة، ويزعمون أن الأوامر والنواهي رسوم العوام. قال شيخ الإسلام رحمه الله:"ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة: كالصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة: كالفواحش، والظلم، والخمر، والميسر، والزنا، وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة: كالخبز واللحم والنكاح؛ فهو كافرٌ مرتدٌ، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن أضمر ذلك كان زنديقًا منافقًا، لا يستتاب عند أكثر العلماء، بل يُقتل بلا استتابة، إذا ظهر ذلك منه". مجموع الفتاوى: (11/ 405) .

(5) بين ذلك الشاطبي رحمه الله في: الموافقات: (3/ 260) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت