فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 473

من رأى أنَّ القرآنَ جاء بالتعريفِ بمصالح الدارين جلبًا لها، والتعريفِ بمفاسدها دفعًا لها، والسنةُ لا تزيد على تقريرِ هذه الأمور، فالكتاب أتى بها أصولًا يُرجع إليها، والسنة أتت بها تفريعًا على الكتاب، وبيانًا لما فيه منها.

القسم الرابع:

من رأى أنَّ السنةَ مع القرآن كعمل المجتهد والقائس، فالقرآن قد يأتي فيه النصُّ على طرفين واضحين، فتأتي أمورٌ وسطٌ بينهما، فتلحقها السنةُ بأحدهما كعمل المجتهد. أو أن القرآن يأتي بأصولٍ وتأتي السنةُ بما في معناها، أو ما يلحق بها، أو يشبهها، أو يدانيها، فتكون كعمل القائس.

ومن أمثلة ما يشبه عمل المجتهد: أن الله تعالى أحلَّ الطيبات وحرَّمَ الخبائث، وبقي بين هذين الأصلين أشياءٌ يمكن لحاقها بأحدهما، فبَيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما اتضح به الأمر، فنهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، إلحاقًا لها بالخبائث، كما ألحق الضَّبَّ وغيره بالطيبات.

ومثال ما يشبه عمل القائس: أن الله حرَّمَ الجمعَ بين الأمِّ وابنتها في النكاح، وبين الأختين، وجاء في القرآن: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فجاء نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لنفس العلة.

والحاصل مما سبق من الأقسام أنه يمكن اعتبارها أنواعًا من دلالة الكتاب على المسائل، فيكون القرآن على هذه الأنواع شاملًا لكل شيء في الشريعة [1] ، وهذا يؤول إلى شمولية الدين، وهو أمر معلوم من دين الإسلام وقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] . وهذا ليس هو محل البحث. بل المقصود من هذا البحث هو هل القرآن فيه بيان لكل شيء دون الرجوع لغيره من الأدلة.

المقام الثاني: أن يريد كل العلوم:

ولم أجد مَنْ صرَّحَ بذلك من العلماء سوى ما ذكره المرسيُّ (ت: 655 هـ) ، ويظهر أنَّ مقصودَه في احتوائه لكل العلوم أنه يكفي في ذلك مجردُ ذكرِ شيءٍ من العلم فيعد ذلك احتواءً للعلم ولا يخفى ما فيه [2] .

وأما السيوطي (ت: 911) فقد قال:"وأنا أقول: قد اشتمل كتابُ الله العزيز على كل شيء. أما أنواع العلوم فليس منها بابٌ، ولا مسألةٌ ـ هي أصلٌ ـ إلا وفي القرآن ما يدلُّ عليها" [3] . إلا أنَّ جميع ما ذكره من الأمثلة هو من العلوم الشرعية التي سبق الحديث فيها.

(1) ويظهر أن الشاطبي اعتبرها أنواعًا في البيان فقد قال في الجواب على حديث: (ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) قال:"صحيح على الوجه المتقدم، إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين والحكم عليه، وإما بالطريقة القياسية، وإما بغيرها من المآخذ المتقدمة". الموافقات: (4/ 39) .

(2) ومثال ذلك قوله:"وأما الهندسة ففي قوله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى (( (( (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ(30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) } [المرسلات: 30 ـ 31] فإن فيه قاعدة هندسية وهو أن الشكل المثلث لا ظل له". الإكليل: (1/ 248) . وبغض النظر عن صحة هذه القاعدة فلا يمكن أن يقال أن القرآن احتوى على علم الهندسة بناء على هذه الآية، أما إذا أريد مجرد الإشارة والدلالة فقد يصح.

(3) الإكليل: (1/ 253) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت