التأييد؛ قلنا: هذه الآية من أوضح الأدلة على جواز الرؤية، فإنها لو كانتْ مستحيلةً لكان مُعْتَقِدُ جوازها ضالًا أو كافرًا وكيف يعتقد مالا يجوز على الله تعالى مَنْ اصطفاه الله تعالى لرسالته واجتباه لنبوته وخصصه بتكريمه وشرفه بتكليمه وجعله أفضل أهل زمانه وأيده ببرهانه، ويجوز على الأنبياء الريب في أمر يتعلق بعلم الغيب أما ما يتعلق بوصف الباري عز وعلا فلا يجوز الرَّيب عليهم، فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى عليه السلام جوازه جائز لكن ظن أن ما اعتقد جوازه يجيبه إليه ناجزًا فيرجع النفي في الجواب إلى السؤال وما سأل موسى عليه السلام ربه رؤية في الدنيا لينصرف النفي إليها والجواب نزل على قضية الخطاب" [1] ."
وعند تتبع عمل الأئمة رحمهم الله تعالى نجد أنهم قد يتوقفون عند تعارض الاستنباط مع الأدلة مع عدم معرفة الأرجح ومن ذلك:
ما ذكره العلماء في مسألة تفضيل صالحي البشر أو الأنبياء على الملائكة من الأدلة فقد استنبطوا من النصوص القرآنية أدلة مختلفة ومن ذلك:
استنبط القائلون بتفضيل الأنبياء من أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه الصلاة والسلام دليلًا على تفضيله عليهم.
كما استنبط القائلون بتفضيل الملائكة على البشر من قوله تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) } [النساء: 172] دليلًا على تفضيلهم عليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
قالوا: وقد ثبت من طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه لأنه لا يجوز أن يقال لن يستنكف الوزير أن يكون خادمًا للملك ولا الشرطي أو الحارس وإنما يقال لن يستنكف الشرطي أن يكون خادما للملك ولا الوزير ففي مثل هذا التركيب يترقى من الأدنى إلى الأعلى [3] .
قال ابنُ العزّ الحنفي (ت: 792) [4] :"فإن الإمام أبا حنيفة رحمه الله وقف في الجواب عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى" [5] .
ثم قال:"فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيًا وإثباتًا والحالة هذه أولى. ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة" [6] .
(1) لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة لإمام الحرمين: (118) وانظر كتاب التوحيد للماتريدي: (78) والإبانة عن أصول الديانة للأشعري: (1/ 41) .
(2) كون المعارض مساويًا قد تختلف فيه الأنظار فما يراه أحد المجتهدين مساويًا قد يكون عند غيره راجحًا أو مرجوحًا ولذا فما يذكر هنا هو مثال للمعارض المساوي عند من ينقل عنه ويكفي ذلك في إثبات عمل العلماء رحمهم الله تعالى.
(3) شرح الطحاوية لابن أبي العز: (281، 282 ـ 283، 290) .
(4) هذه المسألة مما اختلف فيها العلماء رحمهم الله اختلافًا كبيرًا، إلا أنها من المسائل التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الصحابة والأئمة ولذا قال ابن أبي العز:"وكنتُ ترددتُ في الكلام على هذه المسألة، لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني"وقال:"وللشيخ تاج الدين الفزاري رحمه الله مصنف سماه (الإشارة في البشارة) في تفضيل البشر على الملك، وقال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأئمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كثير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان". وقال:"وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول". شرح الطحاوية: (281، 282 ـ 283، 290) .
(5) شرح الطحاوية: (281) . وقال بعد ذلك:"وقد كان أبو حنيفة يقول أولًا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله".
(6) شرح الطحاوية: (282) .