يصح الاقتداءُ بهم، ويتأمل ما جوزوا به من نعيم أو عذاب أو غيره، ويتدبر في أسباب ذلك وعلله ويستنبط من ذلك مَدْحًَا أو ذَمًَّا لتلك الأفعال [1] .
المثال الأول:
من قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283] :
وتفسير الآية: وإن كنتم مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتبًا يكتب لكم؛ فليكن بدل الكتابة رهانٌ مقبوضة في يد صاحب الحق [3] .
استنبط منها الظاهرية أن الرهن لا يجوز في الحضر [4] .
(1) استنباط الأحكام مما ذُكر من قصص الأمم في القرآن هو أحد الأدلة الشرعية المختلف فيها عند علماء الأصول وهو دليل شرع من قبلنا، والصحيح في هذه المسألة ما يلي:
أنه إن ثبت أنه شرع لهم ثم ثبت بشرعنا أنه شرع لنا كالقصاص فإنه شرع لنا إجماعًا.
وإن ثبت أنه شرع لهم ثم صرح في شرعنا بنسخه كالإصر والأغلال التي كانت عليهم فهذا ليس بشرع لنا إجماعًا.
وإن لم يثبت أنه شرع لهم فليس بشرع لنا إجماعًا كالمأخوذ من الإسرائيليات.
وأما ما ثبت بشرعنا أنه شرع لهم ولم يصرح بنسخه في شرعنا فالجمهور على أنه شرع لنا.
انظر: روضة الناظر لابن قدامة: (2/ 517 ـ 524) ، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي: (161 ـ 162) .
(2) عدم صحة الاستنباط في حالة التفسير الصحيح ليس لذات التفسير بل لأمر خارج عنه كأن يكون طريق الاستنباط غير صحيح أو يكون المعنى المستَنْبَط مخالفًا لنصوص أخرى وسيأتي في شروط الاستنباط مزيد أمثلة.
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (218) ، فتح القدير للشوكاني: (258) .
(4) المحلى لابن حزم: (8/ 87) ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: (218) ، والإشارات الإلهية للطوفي: (1/ 369) ، البحر المحيط: (2/ 371) .
وأخذ بظاهر الآية مجاهد فقال بذلك وكذا الضحاك فذهب إلى أنه لا يجوز الرهن في السفر إلا عند فقدان الكاتب كما في المصادر السابقة.
وذهب الجمهور إلى جواز الرهن في الحضر والسفر قال الرازي:"اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذًا بظاهر الآية ولا يعمل بقوله اليوم". انظر: التفسير الكبير للرازي: (7/ 131) .
وقال الجصاص:"ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر". أحكام القرآن: (1/ 634) ، وانظر: روح المعاني: (2/ 60) .