(الفصل الأول)
(دلالات الاستنباط من القرآن)
إن من أعظم العلوم تأسيسًا لقواعد الاستنباط، وتأصيلًا لضوابط الفهم، علمَ أصول الفقه وهو العلم الذي يرتقي الناظرُ فيه إلى مراتب المجتهدين، وبه يعرف وجوه الترجيح، وتمييز السقيم من الصحيح.
ولم يأل علماء الأصول جهدًا في بيان معالم الاستنباط، وتقرير قواعده، ووضع ضوابطه، تارة بالبحث في الأدلة وما يعرض لها، وتارة بالبحث في الأحكام وما تحتاج إليه [1] .
وإن مِنْ تلك المباحث التي نالت اهتمامهم وعنايتهم مبحث الدلالات الذي يعتبر من أدق المباحث، وأكثرها فائدة، وأعظمها عائدة.
(1) جَمَعَ عَدَدٌ من المفسرين بين عِلْمِ أصول الفقه، وعِلْمِ التفسير، وكَتَبوا في كلا العِلْمَين كتبًا جعلتْ اتصال العِلْمَين وثيقًا منذ عهد مبكر وحتى الآن، ومن أمثلة أولئك: الجصاص، والرازي، والبيضاوي، والطوفي، والسيوطي، والأسنوي، وابن بدران، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي، وغيرهم، وقد جعلوا مواطن كثيرة من كتبهم محلًا لتطبيق قواعد أصولية، كما شارك عدد من المفسرين في علم أصول الفقه من خلال كتبهم في التفسير ومن أبرزهم: ابن جرير الطبري، والقرطبي، وغيرهم، مما يبين صلة العلمين وعدم استغناء المفسر عن علم أصول الفقه، وقد نصوا على اشتراطه في المفسر لكتاب الله تعالى كما في كتب علوم القرآن ومقدمات التفسير.