الشمول هو من مادة شمل وهي أصلان أحدها: دوران الشيء بالشيء وأخذه إياه من جوانبه [1] . وهذا المراد في هذا المبحث. فالقرآن شامل في دلالته لجميع جوانب الدين والدنيا مما يحتاجه الناس فالقرآنُ هو كليةُ الشريعةِ، وعمدةُ الملةِ، وينبوعُ الحكمةِ، وآيةُ الرسالةِ، ونورُ الأبصارِ والبصائرِ، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاةَ بغيرِه، ولا تمسُّكَ بشيءٍ يخالفُه، وهذا كلُّه لا يحتاج إلى تقريرٍ واستدلالٍ عليه؛ لأنه معلومٌ من دين الأمة [2] .
ولذا فإنّ مِنْ شأن هذا التنزيل أنه هدايةٌ للعالمين في جميع ما يحتاجونه، من أمور دينهم ودنياهم؛ ببيان أحكام عباداتهم ومعاملاتهم، ودلالتِهم على الخير والرشاد.
إذا تقرر ذلك، وتقرر أن القرآن قد يدل على المعاني، والفوائد، والأحكام، بدلالة ظاهرة كدلالة قوله تعالى: {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] على وجوب الزكاة، وأنه قد يدل عليها بدلالة خفية، فإنه لا يمكن حصر هذه الدلالات بعلم من العلوم الشرعية، كما لا يمكن حصرها بعدد معين من الآيات التي يمكن الاستنباط منها دون بقية الآيات.
ولكي يتضح ذلك فإننا نقصد بشمولية الاستنباط شموليته من جهتين:
الأولى: من جهة المعاني المستنبطة.
الثانية: من جهة النص الذي يستنبط منه.
وبيان ذلك كما يلي:
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: (515) .
(2) انظر: الموافقات للشاطبي: (3/ 257) . بتصرف يسير.