والبيان. فأما التفسير: فهو المقصود بنفسه، وسائر هذه الفنون أدواتٌ تُعينُ عليه، أو تتعلق به، أو تتفرع منه" [1] ."
قال الشاطبي [2] (ت: 790 هـ) رحمه الله:"العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم إلى أقسام:"
قسم: هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد، والمعين على معرفة مراد الله تعالى منه؛ كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها، وعلم القراءات، والناسخ والمنسوخ، وقواعد أصول الفقه، وما أشبه ذلك ... ولكن قد يُدَّعى فيما ليس بوسيلة أنه وسيلة إلى فهم القرآن، وأنه مطلوب كطلب ما هو وسيلة بالحقيقة؛ فإنَّ علم العربية، أو علم الناسخ والمنسوخ، وعلم الأسباب، وعلم المكي والمدني، وعلم القراءات، وعلم أصول الفقه، معلومٌ عند جميع العلماء أنها مُعينة على فَهْمِ القرآن، وأما غير ذلك فقد يعدُّه بعض الناس وسيلةً أيضًا، ولا يكون كذلك ... وشاهد ما بين الخصمين شأنُ السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها؟ أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن ..." [3] ."
7 -نظرًا لكثرة العلوم التي تشترك مع علم التفسير، فلا يمكن عَدُّها في التعريف كطرقٍ للبيان. والأفضل ـ في نظري ـ الاقتصار في التعريف على مهمة المفسر أو ما يَدْرُسُه العلمُ بوجهٍ أصيل، أما طُرُقُ الوصولِ لذلك البيان فتختلفُ باختلاف الآيات إذ أن بعضها لا يحتاج في بيانه إلى علم من تلك العلوم، بل يفهمه القارئُ العربيُّ، كمثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) } [آل عمران: 29] فلو تأمَّلْتَ تفاسير العلماء لهذه الآية لوجدتَّ أنها تذكر ما هو معلوم لدى القارئ العربي، ولا تزيد عليه في فهم المعاني سوى ما لا يدخل في معنى الآية، كالتأملات، والإشارات، والعظات، وغير ذلك. وبعضها يحتاج إلى علم من تلك العلوم، فلا بد عندئذ من معرفته قبل التفسير. وعلى ذلك يمكن أن نقول: أن اطلاع المفسِّر على مَكِّيَّةِ الآية ومدنيتها، وناسخها ومنسوخها، وسبب نزولها؛ إنما هو وسيلة للتفسير الصحيح للآية، لا أنه هو التفسير بذاته.
9 -نلاحظ أن مصطلح التفسير عند كثير ممن عرف التفسير ـ لا سيما من المتقدمين ـ يشمل الاستنباط، الذي تم تعريفه في المطلب السابق، كما يشمل أخذ النصوص الظاهرة من كتاب الله تعالى، ولذا فإن حديثهم عن شروط المفسر شامل للمستنبط كما سيأتي.
وبعد الاطلاع على ما سبق من التعاريف، ومعرفة ما يُعترض به عليها، يمكن القول بأن تعريف مصطلح التفسير يختلف باختلاف مقصود المعرِّف، فإن كان المراد تحديد مصطلح التفسير عند العلماء السابقين، فيمكن تعميمه ليشمل جوانب أخرى غير التي اقتصر عليها المتأخرون، ولذا يكون مصطلحُ التفسيرِ عندهم أعمَّ وأشملَ ممن جاء بعدهم، وهذا صريح كلامهم، ومنطوق تعاريفهم، ولا يمكن محاكمة كتبهم على اصطلاح حادث بعدهم، وإن كان المقصودُ تحديد ما هو الألصق بلفظ التفسير اللغوي من تلك التعاريف، فلا شك أن الاقتصار على ذكر البيان في التعاريف هو الأولى.
والذي يظهر ـ والعلم عند الله ـ أننا أمام مصطلح تغير مفهومه من جيل إلى جيل، فنجد المفهوم لدى المتقدمين ـ أو أغلبهم ـ أعم وأوسع وهو الشأن في جميع العلوم حتى تستقر وتتحرر، وهذا منهج التعميم للمصطلح.
(1) التسهيل لعلوم التنزيل: (874 ـ 875) .
(2) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ، كان من أئمة المالكية، من كتبه: الموافقات في أصول الفقه، والإفادات والإنشاءات، والاعتصام، توفي سنة 790 هـ. انظر: نيل الابتهاج على هامش الديباج: (46) ، الأعلام للزركلي: (1/ 75) ، معجم المفسرين لنويهض: (23) .
(3) الموافقات: (3/ 280 ـ 281) . باختصار. ثم ذكر بعد ذلك الأقسام الأخرى وما نقلته يفيد في الموضوع، وليس المقصود استقصاء هذه الأقسام.