وتعريفاته، وتفريعاته، فلا ضرورة في معرفته قبل التفسير [1] . فعلى ذلك يمكن القول بأن مهمة المفسر هي البيان والشرح وهو التفسير، وفي خلال بيانه للآيات إذا توقف فهمه على علم معين؛ اطلع عليه لأجل البيان، ولذا لا يُنَصُّ على ذلك في التعريف، ولو وَجَبَ ذلك لنُصَّ على جميع علوم الشريعة، إذ لها تعلقٌ بالقرآن الكريم في بعض المواطن، ولا يمكن لبشر العلم بجميع تلك العلوم واستحضارها. قال الطاهر بن عاشور (ت: 1393 هـ) :
"ولذلك لا يكاد يُحصر ما يحتاجه المتَبَحِّرُ في ذلك من العلوم، ويوشك أن يكون المفسِّر المتوسع محتاجًا إلى الإلمام بكل العلوم، وهذا المقام هو الذي أشار له البيضاوي (ت: 691 هـ) بقوله: (لا يليق لتعاطيه، والتصدي للتكلم فيه، إلا من بَرَعَ في العلوم الدينية كلِّها: أصولها وفروعها، وفي الصناعات العربية، والفنون الأدبية بأنواعها) " [2] .
ويقاس على هذه العلوم بقيةُ العلوم، فالمفسِّر محتاجٌ للاطلاع عليها، إلا أنها فنون مستقلة لا تدخل تحت اسم التفسير، قال ابنُ جزي الكلبي (ت: 741 هـ) :"اعلم أن الكلام على القرآن يستدعي الكلام في اثني عشر فنًا من العلوم، وهي: التفسير، والقراءات، والأحكام، والنسخ، والحديث، والقصص، والتصوف، وأصول الدين، وأصول الفقه، واللغة، والنحو،"
(1) والواقع يُصدِّق ذلك، فأنت ترى عددًا من المفسرين مع جلالة قدره وعلو مكانته لم يذكر في كتابه من هذه العلوم إلا الشيء القليل، كما أن من يشتغل بالتفسير لا يمكنه استحضار كل هذه العلوم قبل تفسيره للآية، لا سيما وكثير من الآيات لا يتوقف معرفتها على معرفة هذه العلوم، وهذا هو وصف القرآن كما جاء في قوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) } [القمر: 17] ، وحتى يُتأمل ذلك جيدًا يمكننا النظر في مباحث أحد هذه العلوم، ثم النظر في توقف معنى الآية عليها، فنجد أن كثيرًا من تلك المباحث التنظيرية أو التأصيلية للعلم؛ إنما وُضعت لتأصيل ذلك العلم كتعريفه ونشأته وأهم الكتب المؤلفة فيه والخلافات في وقوعه، ولا يُنَزَّل على آيات القرآن منه إلا القليل وهو الجانب التطبيقي المفيدُ معرفتُه في تفسير ما يتوقف عليه من الآيات.
(2) التحرير والتنوير: (1/ 26) ، وانظر: تفسير البيضاوي: (1/ 10) .