فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 473

السبب الخامس: تقديم العقل على النقل:

ليس ثمة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنساني، وتعتز به، وتعتمد عليه في ترسيخها، كالعقيدة الإسلامية، وقد أَبْرَزَ الإسلامُ مظاهر تكريمه للعقل واهتمامه به، في آيات كثيرة من القرآن فقال جل وعلا: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } [ص: 29] [1] .

ومع هذا التكريم والاهتمام فقد حدَّدَ الإسلامُ للعَقْل مجالاته التي يخوض فيها كي لا يضل، إذ هو محدود الطاقات والقدرات، فلا يستطيع إدراك كل الحقائق، وإذا ما حاول الخوضَ في تلك المجالات التبستْ عليه الأمورُ وتخبَّطَ في الظلمات، وبَيَّنَ له أن ما يتوصل إليه ليس نهائيًا بل قَابِلٌ للخطأ، كيف لا وما توصل إليه من العلم إلا قليلًا! قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) } [الإسراء: 85] .

قال القنوجي:"واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه ... فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربًا من الإدراك غير مدركاتنا لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس ... وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك" [2] .

وبهذا التزم السلف الصالح رحمهم الله حيث عرفوا حدود العقل ومجالاته ولم يعارضوا به النصوص ولم يظهر معارضة النصوص بالقواعد العقلية إلا في القرن الثاني حين بدأت أصول الجهمية، قال شيخ الإسلام (ت: 728 هـ) :"ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص"

(1) انظر تلك المظاهر في: منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير للرومي: (30 ـ 37) ، أصول التفسير وقواعده للعك: (180) .

(2) أبجد العلوم: (2/ 444) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت