إن المعاني التي وضعت لها الألفاظ لغةً، ذاتُ مقاصد وأغراض يدركها من كان عليمًا بأسرار الوضع اللغوي.
هذه الأغراض التي تستهدفها معاني الألفاظ، تتحول إلى آثار عند تنفيذها أو إيقاعها، والشارع الحكيم إذ يربط الحكم بالفعل، لا يقصد إلى جعل مجرد صورة الفعل هي مناط الحكم؛ بل إلى ما يستهدفه معناه من غاية قبل الوقوع، أو إلى ما يتركه من أثر بعد الوقوع؛ فيوجبه أو يُحَرِّمه، بالنظر إلى ضرورة تحصيل أثره أو إعدامه، حسب الأحوال من الضرر، أو النفع، أو المفسدة، أو المصلحة [1] .
ودلالة النص (مفهوم الموافقة) هي من هذا القبيل فهي استنباط بالنظر إلى مقصد الشارع المعلوم باللغة [2] .
وتسمى هذا الدلالة بدلالة الدلالة لأن الحكم يؤخذ من معنى النص لا من لفظه [3] . وهذه التسمية للحنفية، وتسمى عند غيرهم مفهوم الموافقة، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب [4] .
(1) المناهج الأصولية للدريني: (248 ـ 249) .
(2) قال الزركشي في دلالة النص:"واعلم أن هذا النوع البديع، ينظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام؛ كما في آية التأفيف؛ فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما، ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب، ولو لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك". البرهان: (2/ 21) .
(3) موازنة بين دلالة النص والقياس للصاعدي: (286) .
(4) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: (3/ 66) . قال السيوطي:"فإن كان أولى، سُمِّي: فحوى الخطاب ... وإن كان مساويًا، سُمِّي: لحن الخطاب، أي: معناه". الإتقان: (2/ 18) ، وانظر: تشنيف المسامع للسبكي: (1/ 341) .