إذا ثَبَتَ ذلك عُلم أن الانحراف العقدي مؤثر بلا شك على الاستنباط، وهذه الأمثلة الدالة على هذا السبب:
الأمثلة التطبيقية:
المثال الأول:
أنكر المعتزلة ومن وافقهم رؤية الله تعالى في الآخرة [1] ، مع وضوح دليل المسألة، وحرَّفوا الأدلة في ذلك لموافقة مذهبهم الفاسد، وانحرفوا في استنباط أدلة لهم من القرآن تؤيد مذهبهم، وهذا ما نجده في تفسير الزمخشري (ت: 538 هـ) حيث تكلف صرف الآيات الدالة على إثبات الرؤية عن وجهها، بل واستدل بآيات استنبط منها نفي الرؤية:
ومن ذلك استنباطه من قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ شَتَّى (( (( (اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(55) } [البقرة: 55] وقوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153] فقرر أنهم سألوا ما لا يجوز، ولذلك سمّاهم الله ظالمين، وأخذتهم الصاعقة، ولو كان طلبهم جائزًا لما كان كذلك، كما سأل إبراهيم عليه السلام إحياء الموتى، وعَدَّ من استجاز الرؤية على الله أنه جعله من جملة الأجسام أو الأعراض ثم قال:"فتبًا للمشبهة، ورميًا بالصواعق" [2] .
وهكذا نجد أن الانحراف العقديَّ قد تسبب في الانحراف في الاستنباط من القرآن.
المثال الثاني:
استنبط الزمخشري (ت: 538 هـ) خلودَ العاصي في النار وإنكارَ الشفاعة من قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) } [آل عمران: 192] فقال:"إعلامٌ بأن من يَدْخُلُ النار فلا ناصرَ له بشفاعةٍ ولا غيرها" [3] .
وقال السيوطي (ت: 911 هـ) مبينًا وجه الاستنباط:"استدلَّ به المعتزلةُ على أن مرتكب الكبائر غير مؤمن؛ لأنه يدخل النار للأخبار الدالة على ذلك، ومن دخل النار يُخزى لهذه الآية، والمؤمن لا يُخزى لقوله: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: 8] " [4] .
(1) قال ابن القيم في رؤية الله:"اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون". حادي الأرواح: (216) .
(2) انظر: الكشاف: (2/ 172) ، والإشارات الإلهية للطوفي: (1/ 271) ، والأقوال الشاذة في التفسير للدهش: (228 ـ 229) . وقد سبق الحديث عن الاستنباط في صفحة: (243) .
(3) الكشاف: (1/ 678) ، والأقوال الشاذة في التفسير للدهش: (231) .
(4) الإكليل: (2/ 497) .