ومن طريقة القرآن وعادته والمطرد من أسلوبه؛ استنبط العلماء عددًا من الأحكام والفوائد والآداب، إذ القرآن كلام الله، وفعله تعالى محل للاقتداء والاستنباط.
وجهةُ الدّلالة في هذا الطريق هو الاقتداء بأفعال الله تعالى، قال الشاطبي (ت: 790) بعد سوق عددٍ من الأمثلة:"هذه الأمثلة وما جرى مجراها لم يُستفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني، وإنما استفيد من جهةٍ أخرى، وهي جهة الاقتداء بالأفعال" [1] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728 هـ) :"وأصل هذا [2] أن الأصل قول الله تعالى، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل [3] ... وإن كانتْ قد جرتْ عادةُ عامَّة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله الذي هو كتابه"ومَثَّلَ لذلك بقوله:"وأما فِعْلُ الله ـ كعذابه للمنذَرين ـ فإنه دليلٌ على تحريم ما فعلوه ووجوب ما أمروا به، وكما استدلَّ أصحابنا وغيرهم من السلف بفعل الله تعالى ورجم قوم لوط على رجمهم، وأما ترك القول فكما يستدل بعدم أمره على عدم الإيجاب وبعدم نهيه على عدم التحريم ... وأما ترك الفعل فكإنجائه للمؤمنين دون المنذَرين" [4] [5] .
(1) الموافقات: (2/ 82) .
(2) كان كلامه في حجية قول الصحابي: (كنا نفعل) .
(3) كون إقرار الله تعالى حجة كقوله محل بحث. انظر: الجدل لابن عقيل: (256) ، المسودة: (1/ 587) ، والبرهان للزركشي: (2/ 9) ، وسبل السلام للصنعاني: (2/ 59) ، وإقرار الله في زمن الحجة لأبي زنيد: (9) ، وأفعال الرسول للأشقر: (2/ 167) .
(4) المسودة: (1/ 587 ـ 588) .
(5) أنكر بعض الباحثين الاقتداء بأفعال الله تعالى وجعله من المسالك الفاسدة وعلل ذلك بقوله:"وهذا مسلك فاسد، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولم يكن له كفوًا أحد، ولذلك فإن الناس مأمورون بعبادة الله تعالى وبطاعته وليس بالاقتداء به ومحاكاته عز وجل فإنه محال. وهذا أصل واضح ولكن ربما غفل بعضهم فحكم بالفقه بقياس أفعال الناس على أفعال الله تبارك وتعالى!!".
انظر: تمكين الباحث من الحكم بالنص بالحوادث للدكتور وميض العمري: (399) .
والمتأمل يلاحظ على تعليل هذا الإنكار ما يلي:
أولًا: أنه لا تلازم بين كونه تعالى ليس كمثله شيء وبين استنباط الحكم من أفعاله تعالى، فالمستنبِط لا يفعل عين فِعْله تعالى ومثله.
ثانيًا: أنه ليس المقصود بالاستنباط من أفعاله تعالى مشابهته في صفاته الذاتية والفعلية بل المقصود هو التعبد بما يمكن للعبد اقتداء بالله تعالى كرحمة العباد، والعفو عنهم، والتوبة على من تاب وأصلح، وعدم المؤاخذة قبل العلم، وغير ذلك.