الخامس: رُبَّما يُقال: كيف لم تُذكر كيفيةُ الصلاة في الحديث، ومن سببه ما رواه أنسٌ عند البخاري (733) ومسلم (411) واللفظ له قال: «سَقَطَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ, فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ, فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا, فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا, فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ: فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ... وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» ؟!.
فأقول:
أ- قولُه: «وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» كقوله: «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» أيْ: عندما يقومُ فقوموا, وإذا سجد فاسجدوا, وإذا قعدَ فاقعدوا زمنًا ومتابعةً في الواجبات والسُّنن، وكما أوضحناه في الوجه الثاني، وأمَّا كيفيَّةُ هذا القعودِ أوِ السجودِ فتُؤخَذُ فقط من صلاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولايعني أنَّ الإمامَ إذا رفع أنفَهُ عن الأرض في سُجوده, أو بسط ذراعيه كانبساط الكلب, أو افترشهما افتراشَ السَّبُع نُتابِعهُ!! فعُدتم إلى قولنا ولا شيءَ لكم مذكورًا.
ب- روايةُ عَائِشَةَ عند البخاري (5658) ومسلم (412) قَالَتِ: «اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ... وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا» ولمسلمٍ (413) من حديث جابرٍ: « ... إِنْ كِدْتُمْ آنِفًِا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ: يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ, فَلاَ تَفْعَلُوا, ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ: إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا, وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» .
قلت: فالصحابةُ كانوا يرون الكيفيةَ محصورةً بصلاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صحيحًا سليمًا، لذا فلم يتابعوه على القعود إلاَّ بعد إشارته لهم, فإنْ كان المُخالِفونَ يرَوْنَ القعودَ كيفيةً، فهو لم يدخلْ بالاقتداء إلاَّ بالنَّص، والأصلُ عدمُهُ، فلا نُدخِلُ غيرَه إلاَّ بدليل.