في هذا الحديث رَدٌّ على من يرى نَسْخَ قولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وإنْ صَلَّى قاعدًا فصَلُّوا قعودًا» ذلك بأنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أناطَ أمرَه بعلةٍ لا تتغيَّر، بل ثابتٌ شرُّها من وجهينِ:
-أحدُهُما: مُشابَهةُ المَجوس.
-والآخَرُ: تعظيمُ المُلوكِ من دون الله، وكذا فإنَّ (القولَ مُقدَّمٌ على الفعل) .
ت- فليكنِ القُعودُ كيفيَّةً، وحينئذٍ فالمُتابَعَةُ فيه سُنَّةٌ فلاضيرَ، ولا حُجة لكم في أنْ تتابعوه مُطْلَقًا بل على السُنَّةِ وكفى.
السادس: إنْ لم يكن قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلُّوْا كَمَا رَأيْتُمُوْنِي أُصَلِّي» مُخصِّصًا لقوله «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ» فلا تخصيصَ البتة، إذ أنَّه جاء بفعل الأمر (صَلُّوا) وبكاف التشبيه والمماثلة، وأتْبَعَها (بما الموصولة) التي أفادت شمولَ المتابعة في وصف الصلاة كُلِّه من غير تفريقٍ بين سُنَّة وواجبٍ، ثم حصرَ الأمرَ بالرؤية وأتبع ذلكم كُلَّه بالفعل المضارع (أُصَلِّي) تأكيدًا للكيفية, وعندئذٍ فمتابعتُنا للإمام تكون في وقت فعلِ الواجبات والسنن, فيُتابَعُ بلا سَبْقٍ أو تأخُّرٍ، وهذه هي إمامتُهُ لنا, وأمَّا الكيفيةُ فلا، وإمامُنَا الأوحدُ فيها هو النبيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
السابع: إنْ سلَّمنا جدلًا بأنَّ الكيفيةَ داخلةٌ في قوله: «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ» فهل نتابعُهُ على السُّنَّة أمِ البِدعةِ؟! فإنْ قالوا: نتابِعُهُ على السُّنَّة فقط، قلنا: وافقتمونا، والعمومُ عندئذٍ مقصودٌ به الخصوصُ أيْ: (إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ في السُّنَّة لا البدعة) وإنْ قالوا: بل نُتابِعُهُ على السُّنة والبِدعةِ!! قلنا: هذا باطلٌ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» . [1]
فمحالٌ أنْ يكون في أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إقامةُ بِدعةٍ, واللهُ أعْلَمُ.
(1) خرّجه البخاري (2550) ومسلم (1718) من حديث أمِّ المؤمنين عائشة.