فالقيامُ قيامان والجلوسُ جلوسان، جلوسُ تشهدٍ وجلوسٌ بين السجدتين ولا ثالثَ لكليهما، وأتت النصوصُ تشمل ذينك القيامين والجلوسين مِمَّن رأوا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم نقول بعدما خلتِ القرون: لم يأتِنا نصٌّ؟!.
(يُقسَمُ النَّصُّ باعتبار تناولهِ أفرادَه: إلى عامٍّ وخاصٍّ وآخَرَ مُخصِّصٍ، فليس كلُّ خاصٍّ يُخصِّص العامَّ, وإنَّما يُخصِّصُهُ ما أخرجَ بعضَ أفرادِهِ من حكمه، أيْ: خالفَهُ في الحكم) .
ولعدم فَهم قاعدةِ التخصيص هذه فقد خبطَ أُناسٌ خَبْطَ عَشواء، فإنْ جاءهم نصٌّ عامٌ وآخَرُ خاصٌ، قالوا: الأخيرُ مُخصِّصٌ للأول، حتى وإنْ كانا مُتفقينِ بالحكم!! وهذا ضياعُ الدين.
فمثلا قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [1] وهذا عام في المَيتة والدَّمِ، فلو جاءنا مثلًا نصٌّ فيه:(الشاةُ الميتةُ حَرامٌ أكْلُها) !! فهل يُقصَرُ التحريمُ عليها فقط؟! والجوابُ: لا، لأنَّها من العموم، ولكنْ لَمَّا جاء قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:» أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ, فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ, وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» [2] فهذا خصَّص عمومَ الآية لأنَّه أخرجَ بعضَ الميتة والدم من حُكمِهما.
وكذا من أمثلةِ هذه القاعدة: قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ... وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ... » [3] فالصلاةُ في المساجد والصحاري والجِنان والأسواق ومرابض الغنم والبيوت وغيرها ليست من مُخصِّصات الحديث.
(1) سورة المائدة: من الآية [3] .
(2) رواه أحمد (5723) وابن ماجه (3314) وهو في الصحيحة (1118) من حديث ابْنِ عُمَرَ، وخرَّجه البيهقي بالكبرى (1/ 254) (1128) عن ابن عمر موقوفًا وقال: (وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ, وَهُوَ فِى مَعْنَى الْمُسْنَدِ, وَقَدْ رَفَعَهُ أَوْلاَدُ زَيْدٍ [يعني ابن أسلم] عَنْ أَبِيهِمْ) وقال شيخنا علي الحلبي في (دفع اللأي بتضعيف الاجتهاد بالرأي(ص 84) : (وهو موقوف في حكم المرفوع) .
(3) أخرجَه البخاري (328) ومسلم (521) من حديث جابر.