فمعلومٌ أنَّ الكتابةَ ليست مقصودةً لذاتها، وإنَّما لنفعِ الناس وبيانِ الدين، وأهمُّ من ذلك وقرينهُ الإتيانُ بالجديد وبأُسلوبٍ قويمٍ، ولذا فمن الأسباب التي حالت دون تحديثِ بعضِ التلاميذ عن مشايخهم في كتبهم، أو إنْ حدَّثوا فبقَدَرٍ لايكادُ يُذكرُ، هو ألاَّ تكون كتبُهم كالمستخرجات على كتبِ شيوخهم، ومن ثَمَّ فلا جديدَ، فلذا نأوا وأعرضوا عن هذا كما فعل أمراءُ المؤمنينَ في الحديث أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ وكذا الترمذيُ وأصحابُ السنن، فقد تتلمذ ودرس اللاحقُ منهم على السابقِ.
وما أجملَ ما قاله ابنُ حزم في رسائله (2/ 186) : «وإنَّما ذَكَرْنا التآليفَ المُستحقةَ للذكرِ، والتي تدخل تحتَ الأقسامِ السبعةِ التي لايُؤلِّفُ عاقلٌ عالمٌ إلاَّ في أحدِها, وهي: إمَّا شيءٌ لم يُسبقْ إليه يخترعهُ أو شيءٌ ناقصٌ يُتمهُ، أو شيءٌ مُستغلَقٌ يَشرحُهُ، أو شيءٌ طويلٌ يختصرهُ دون أنْ يُخِلَّ بشيءٍ من معانيه، أو شيءٌ مُتفرِّقٌ يَجمعهُ، أو شيءٌ مُختَلَطٌ يُرَتِّبهُ، أو شيءٌ أخطأ فيه مُؤلِّفُهُ يُصلِحهُ» .
ومن ثَمَّ فلم أرَ أخانا هذا وُفِّقَ في شيء مِنْ ذا، فقد أوْهَمَ الناسَ -بغيرِ قصْدٍ إن شاء الله- أنَّ عُمدتنا في الإشارة هو هذا الحديثُ الصحيحُ الصريحُ فقط، لذا فقد ضعَّفه مُقلِّدًا لامُجتهدًا، فأيَّدَ القائلين بتفريطِ الصحابة في رُكن الجلوس والقيام!! وهو نقيضُ كمال الدِّين، ولم يأتِ بجديد إلاَّ تقليدَهُ الألبانيَّ حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّة.
سابعًا: ليس العيبَ أنْ يخطأ إمامٌ كبيرٌ بل ولاصحابيٌ، ولكنَّ العيبَ فيمن يتابعه على خطأهِ مُعَطِّلًا مدارِكَهُ غيرَ ناظرٍ إلى حُجَج مُنازعيه، وكأنَّ العِصمةَ أحاطت بمذهبه، فهو اليقينُ وما سواهُ وهْمٌ باطِلٌ.
فلا ضيرَ على إمامِ العصر ناصرِ الدين والسُّنَّة، الذي شقَّ للأمة طريقًا كنا نظنُّهُ حِجْرًا مَحجورًا إلاَّ على ابن حجر وشيخِه العراقي وأمثالِهِما، فلا ضيرَ عليه فيما نظنُّه وهِمَ فيه، وعزاؤُهُ وحَسبُهُ أنَّ الأمةَ استدركت على عمرَ، وهل يأتي بعدَ عمرَ مِثلُ عمرَ؟!.