فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 153

ولا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أنَّنا ننتقِصُ الألبانيَّ رحمه الله إذ هو -فيما أظنُّ ومن حيثُ ثمراتُهُ العلمية- أعلمُ الأُمَّة في زماننا وكفى، وواللهِ لا أرى مَثَلًا لِمَنْ رامَ ذلك إلاَّ قولَ القائلِ:

"كناطِحٍ صخْرةً يومًا لِيوهِنَها ... فلم يَضِرْها و أوهى قرنَهُ الوَعِلُ"

-"فَهْمُ إمامِ المُرسلين للعموم":

وإليك مثالًا يُبيِّن أنَّ الأصلَ في العموم العملُ والشمولُ، وأنْ لاتخصيصَ إلاَّ بمُخصِّص وإلاَّ فعدوانٌ، فقد أخرجَ البخاري (4703) من حديث أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: «مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي, فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ, ثُمَّ أَتَيْتُ, فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَاتِيَنِي؟! فَقُلْتُ كُنْتُ أُصَلِّي!! فَقَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (؟ [1] ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ؟ فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ, فَذَكَّرْتُهُ, فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ «.

قلت: فرسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استدلَّ بآيةٍ عامَّةٍ, بل ويُظنُّ بُعدُها عن تلك الواقعة، ولا وجْهَ للاستدلال بِها!! ولازِمُها أنَّ الأمةَ تستجيبُ له في كل أوقاتها، في جِهادها وحَجِّها وصلاتها ونومِها وفي شأنِها كُلِّه، وأمَّا أبو سعيد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فكأنَّه رأى ذلك إلاَّ أنَّه خَصَّ من الاستجابةِ وقتَ الصلاة، أيْ: أنَّهم يستجيبون له في كل حالٍ إلاَّ الصلاةَ، وهذا تخصيصٌ بلا مُخصِّصٍ!! فعلَّمهُ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأمةَ من بعده أنَّ من الاستجابة لله ورسوله أنْ يُؤخذَ بالعموم مُطْلَقًا ولا يُخصَّ إلاَّ ببيانٍ وقرينةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

(1) الأنفال: من الآية [24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت