6). الأصلُ في الآثار أنْ تُنقل ألفاظُها مقترِنةً مع معانيها، لذا فقد قيل: (الراوي أدْرى بمرويِّه) أمَّا في السنن الفعلية كالصلاة ونحوِها فتُضمُّ الكيفيةُ للَّفظ والمعنى، حتى يُنقل الدينُ كما هو، وكُلَّما توافق الحَدَثُ مع الحديث كانت الروايةُ تامَّةً، وتمامُها لايكون إلاَّ للصحابة.
فابنُ عمر لاشك أنَّه رأى صلاةَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنقلها بقوله [1] مقترِنًا بمعناه والكيفيةِ، وهذا النقلُ بأركانه الثلاثة دينٌ، فما ظنُّك بدين الصحابة؟! وتقصيرُهم يترتب عليه فقدانُ دينٍ لا سبيلَ لتحصيله, فهو لمَّا نقل جلوسَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان من أكمل الناس في تلكم الأركان أيْ: في اختيار اللفظ وفَهم معناهُ وكيفيتِه, ومع ذلك لم يُنقل عنه من طريق نافع إلاَّ العمومُ, ثم أخبر ابنُ عمر عليًا المُعَاوي بالعموم نفسِه، ولم يستشكلا أيْ: نافعٌ وعليٌ ذاك العمومَ بل أخذاه على ظاهره، فلو كان يعني التشهدَ فقط لسألوا عن جلوس السجدتين، ولنُقِل سؤالُهم أو جوابُه، لأنَّه سيكون دينًا ولمَّا لم يُنقل لاهذا ولا ذاك، عُلِم أنَّ عدمَ التفريق هو المحفوظُ، وأنَّ نقلَ ابنِ عمر وافق فِعلَه وفِعلَ رسول الله صَلَّى ... اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعُلِم أنَّ ذلك المظنونَ أيْ: استثناءَ جلوسِ السجدتين من العموم ليس دينًا، إذ لو كان كذلك لنُقِلَ ولابُدَّ.
فلو افترضنا -جَدَلًا- أنَّ نافعًا يعلم أنَّ ابن عمر أرادَ التشهد، وابنُ عمر يعلم بما فهمه نافعٌ، لذا فلم يحتج للبيان!! ولكنَّ هذا المُفترَضَ مردودٌ بالطريق الثانية, طريقِ المُعَاوي لأنَّه كان لايعلم أين يضع يديه, وهو بحاجة لبيانٍ يُبعِدُ عنه عبثَ الشيطان، كما في
(1) كما تقدم في الحديث الذي رواه مسلمٌ (580) من طريق نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِىَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِى الصَّلاَةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ, وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ فَدَعَا بِهَا, وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى بَاسِطُهَا عَلَيْهَا» ونحوَهُ من طريق علي المُعَاوي عن ابن عمر.