الثاني: أنَّهم شاهدوا قولَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفِعلَهُ، فَأفَادَتهم المُشاهَدةُ عَقْلَ المعنى جملةً، واستيفاءَ المقصدِ كلِّه، وليس من أُخْبِرَ كمن عاين, ألا تراهم يقولون في كل حديث: (أمر رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكذا) و (نهى رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كذا) ولا يذكرون لفظَهُ؟! وكان ذلك خبرًا صحيحًا ونقلًا لازمًا )) . [1]
ولكن ليس لهم ذلك فيما يُتعبَّدُ بلفظه كالصلاة والحجِّ والأذكار ونحوِ ذلك، بل يجب عليهم أنْ يأتوا باللفظ عينه، فهي ألفاظٌ توقيفيَّةٌ فلا يدخلها القياسُ والاجتهادُ، ودليلُ ذلك ما أخرجَه البخاري (244) ومسلم (2710) من حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قال: قال لي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أتيت مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّا وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ, ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ, ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَاتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ, لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ, اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ, فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فََأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ, وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ ما تتكلم به. قَالَ فَرَدَّدْتُهُا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما بلغت اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ, َقُلْتُ وِرَسُولِكَ, قَالَ: لا ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» .
-"فائدة":
لعلَّ السرَّ في قوله: «ونَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» هو إظهارُ فضلِ الله تعالى على نبيِّهِ وأُمَّته، إذ هو في أصله بشرٌ كسائر البشر، اصطفاهُ ربُّهُ ببشريته للنبوة، ثم اصطفاه تارةً أُخرى
(1) انظر الباعث الحثيث (2/ 402) .