35). وهذه المُشتبِهةُ ما كنتُ أظُنّها تَشتبِهُ عند طالبِ علمٍ إلاَّ بعد أنْ أوردَها أحدُ إخوانِنا، وهي أنَّهم يقولون في بعض النصوص: هذا عامٌّ مقصودٌ به الخصوصُ، أو هذا إذا أُطلِقَ فيُقيَّد بكذا وكذا، ومن ثَمَّ فسيُقال مثلًا: القيامُ إذ أتى عامًَّا أو مُطْلَقًا فإنَّه يُخصُّ ويُقيَّد بالقيام الأول، وكذا الجلوسُ فهو مخصوصٌ ومُقيَّدٌ بالتشهد!!.
فأقول: أنا لا أنفي وجودَ هذا الأسلوبِ، إلاَّ أنَّه لا يُقال إلاَّ بقرينةٍ، وإلاَّ فستُعطَّل النصوصُ ويضيع الدينُ، فمثلًا قال تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [1] وأيضًا أخبرَ اللهُ عن نفسِهِ بأنَّه شيءٌ -سُبحانَهُ وتعالى ونستغرُهُ من أنْ نَزِلَّ فنُخبِرَ عنه أو نُسَمِّيَهُ أو نَصِفَهُ بما لا يرضى ولم يشرعْهُ- فقال: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [2] فإنْ لم نَقُلْ أنَّ الآية الأولى مُرادٌ بها الخصوصُ، وأنَّ اللهَ لم يدخُلْ في عمومها أيْ: أنَّ الله لم يخلق نفسَهُ فليس لنا سبيلٌ إلاَّ الكفرَ.
وأمَّا مِثالُ الإطلاقِ المُقيَّد، فهو ما أكثرَ منه اللهُ عَزَّ وجَلَّ في كتابه وقال مخاطبًا المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (فهل يُقيَّدِ الإيمانُ بِمَن آمَنَ بفرعونَ ربًَّا وبمسيلمةَ الكذَّابِ نبيًَّا؟! أو يُراد به أيُّ إيمانٍ، سواءٌ كان كُفرًا أو إسلامًا، لأنَّ الله لم يُقيِّدْهُ؟! لا شك ولاريب أنَّ الإيمان هاهنا في الآيات مُقيَّدٌ بمن آمَنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله.
-"قاعدةٌ في الألفاظ المُشْتَرَكَة": (التقييدُ والتخصيصُ بالمعنى المشهور)
(المُشترِكُ لفظُهُ المُختلِفُ معناهُ يُحمَلُ على المعنى المشهورِ إنْ لم يقترنْ بما يُقيِّدْهُ) :
ومثالُ ذلك الصلاةُ فمن معانيها الدعاءُ، وللجهاد معانٍ, ومنها: جهادُ النفس، ولكن إذا أُطلِقا بلا قرينةٍ فالأصلُ هو الحَمْلُ على الصلاة المعلومة وجهادِ الكفار, وأمَّا الأمرُ
(1) الزمر: الآية [62] .
(2) الأنعام: من الآية [19] .