هاهنا فمختلِفٌ إذ لايُوجدُ اختلافٌ في المعنى ألبتةَ، فالقيامان والجلوسان متوافقا المعنى، ولا فرقَ بينهما إلاَّ في مكانهما من الصلاة والذكرِ الذي يُقال فيهما، ومن ثّمَّ فلا يُحمَلُ على أحدِهما دون الآخَرِ إلاَّ بقرينةِ الموضعِ أو الذكرِ وإلاَّ فلا، وكما نَقَلْتُ عن أئمتنا في عصر الرواية كالنسائي وغيره. وكذا فإنَّ شأنَ الرواية مُختلِفٌ أيْ: ليس سهْلًا في الدين أنْ يُقال فيه: هذا إذا أُطلِق فيُقيَّد بكذا وكذا!! فهاهنا (التقييدُ أوِ التخصيصُ لايكون إلاَّ بنصٍّ أو عمَّن نقل النصَ) وأعني الصحابةَ.
وروايتُهم ليستْ محصورةً بأهل زمانهم حنى نقول أنَّ أصحابهم يعلمون قيدَ إطلاقهم، بل هي للناس كافَّةً وما دامَ اللهُ في الأرض يُذكر فيُعبدُ، ومن اليقين عِلمُ الصحابة بذلك وبأنَّ (الحُجَّةَ على الأمَّة هي في ظاهر اللفظ, وأمَّا المكنونُ في باطنه فلا حُكمَ له إلاَّ بقرينةٍ) وأيضًا لو أرادوا المُطلقَ بقيده أو العامَّ لخصوصه فما يُدريهم أنَّ الأمة ستفهم هذا؟! فإنْ قيل: بالقرينة!! قلنا: هو كذلك، فهاتوها؟!.
وهل مُحِّصَت كُتُبُ الصحابة سَبْرًا إنْ كانت لهم كتبٌ غيرُ ما بأيدينا، فعُلِم منها بالاستقراء أنَّهم لا يُريدون إلاَّ القيامَ الأول أو التشهدَ؟! وأمَّا القيامُ الثاني وجلوسُ السجدتين فله لفظٌ آخَرُ عندهم، فيُفرَّقُ بينهما؟!.
فمِمَّا سبقَ يتبين أنَّ هذه الأساليب لاتُدَّعى إلاَّ بقرينةٍ، وهذه القرينةُ قد تكون معلومةً من الدين بالضرورة، لاتخفى على جاهلٍ بَلْهَ عالمٍ كما مثَّلنا، أو قد يُنَصُّ عليها في أدلةٍ أُخرى ونحو ذلك.
وإذا عُلِم هذا فأنَّى يُقال في أقوال الصحابة عندما نقلوا العمومَ للأمة في القعود والقيام وبلا تخصيصٍ منهم، ولا قرينةَ مُطْلَقًا، لاعقليَّةٌ ولا شرعيةٌ ولاحِسِّيَّةٌ، فأنَّى يُقال: هي مقصودٌ بها الخصوصُ أو مقيدةٌ؟!. ومن أقسام التخصيص والتقييد، ولعلها تندرج مع هذا الباب: (التخصيصُ والتقييدُ بالسياق) و (التخصيصُ والتقييدُ بالمكان والزمان) .