وربما يُقرأ في (تَمَام المِنَّة) قولُ الألباني: أنَّ عبدالله بن الوليد ومحمد بن يوسف الفريابي عن الثوري لم يأتيا بهذه الزيادة؟! فأقول: إنْ كان مجرَّدُ الزيادة شذوذًا؟! فنعم، ولكن هذا لا قائلَ به، وإنْ قيل فهو وَهْمٌ, فشرطُ الشذوذ المخالفةُ، وقد عُلِم ألاَّ مخالفةَ بل هما مُتابِعانِ: فالأول قال: «فلمَّا جلس» والثاني قال: «وإذا جلس» [1] فكلاهما دالٌّ على جلوس السجدتين، الأولُ بخصوصه والثاني بعمومه. وثمةَ روايةٌ مُطلقةٌ للفريابي عند النسائي (1266) : «أنَّه رأى النبيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس ... وأشار بالسبابة» فإنْ أردنا تقييدَها فتُقيَّد إمَّا برواية عبدالرزاق أو عبدالله بن الوليد، فأمَّا روايةُ عبدالرزاق فهي صريحةٌ في الإشارة بين السجدتين، وأمَّا ابنُ الوليد فروايتهُ دلت على الإشارة في أول جلوس لأنَّه قال: «فلمَّا جلس» وكذا يدل عليه الترتيبُ والأصلُ، أيْ: الركعة الأولى، فانظرْ كيف اتفق عبدُالرزاق والفريابي وابنُ الوليد. ثم إنَّ عبدالرزاق إنْ لم يأت بتلك الزيادة ووقف في روايته حيثُ وقفوا، فلا يسوغ لنا إلاَّ أنْ نفهم أنَّه أشار بين السجدتين، ذلك بأنَّه ابتدأ بتكبيرة الإحرام ثم ذكر الركوعَ فالقيامَ فالسجودَ فالجلوسَ مع الإشارة.
وأمَّا إعلالُ الألباني لتلك الرواية, فهو في الحقيقة إثباتٌ لها وهاك البيانَ: بِمَ اعتقد أنَّ الإشارة كانت بين السجدتين فأعَلَّها؟! والجوابُ: لأنَّ وائِلًا جاء بالترتيب ثم لمَّا ذكر السجودَ الأول وذكر بعده الجلوسَ مع الإشارة أتبع ذلك بقوله: «ثم سجد» !! وفَهْمُ الألباني هذا قد صرَّح به في شريط (189) من سلسلة الهدى والنور، إذ قال:
(( ... السياقُ لايُساعِدُنا إلا أنْ نقول من حيثُ الأسلوبُ العربيُ: أنه لايمكن أن نفهم من هذا السياق إلا أنه يعني التحريكَ أوِ الإشارةَ بين السجدتين ... ) )انتهى.
(1) انظر روايتيهما في الباب الحادي عشر.