-الرابعة: معلومٌ أنَّ المُجتهِدَ معذورٌ فيما أخطأ في حقِّ الله, كما خرَّج البخاريُّ (6919) ومسلم (1716) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ, وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» . لكنَّه قد لايُعذر في حقِّ الناس, وخاصَّةً حين يرتكِبُ أمرًا يُخالِفُ أصلًا معروفًا, ومِثالُ هذا مِثالُنا ذا, فلم يَعذُرْهمُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين لَدُّوهُ, لأنهم اجتهدوا أمامَ نصٍّ باقٍ في كل حينٍ وحالٍ, وهو قولُهُ تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [1] فأخذ حقَّ نفسِهِ فلدَّهم كُلَّهم, بأبي هو وأمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
-الخامسة: لو نزَّلنا فهمَ الصحابة على أُصول الفقه اليومَ لتبيَّن أنَّهم أخذوا بثلاثِ قواعِدَ في فهْم الأمر وهي:
أولًا: (الأصلُ في العام العملُ) : وهذا واضِحٌ إذ لم يتلبَّثوا في الاستجابة ولو يسيرًا.
ثانيًا: (الأصلُ عدمُ التخصيص) : فلم يستثنوا إلاَّ ما استثناهُ هو, ولم يقولوا: أيُعقلُ أنْ نَلُدَّ أمَّهاتِ المؤمنين؟!.
ثالثًا: (الخاصُّ مُقدَّمٌ على العام) : وذلك لأنَّ العموماتِ المعارِضةَ كثيرةٌ، فعموماتُ حضِّ الأمَّة على الصيام وأجرِه كثيرةٌ ومنها الحديثُ في الفائدة الثالثة، وكذا فعموماتُ النهي عن إفساد العبادات كثيرةٌ أيضًا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [2] ومع ذلك قُدِّم أمرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخاصُّ بمن كان حاضرًا على تلك العمومات, واللهُ أعْلَمُ.
ولِيستبينَ لك فَهْمُ الصحابة للعموم هاك ما أخرجَه البخاريُ في صحيحه (4163) : حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: «لقد نفعني اللهُ
(1) النجم: الآيات [3 - 4] .
(2) محمد: الآية [33] .