بكلمةٍ سمعتُها من رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيامَ الجمل بعد ما كِدْتُ أن ألْحَقَ بأصحابِ الجَمَلِ فأقاتلَ معهم, قال لمَّا بلغَ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ أهلَ فارِسَ قد ملَّكوا عليهم بِنْتَ كِسْرى, قال: لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوا أمرَهم امرأةً».
قلت: فانظرْ رَحِمَك اللهُ إلى دقيقِ فِقه الصحابة رَضِيَ اللهُ عَنْهُم فأبو بكرة أخذ بالعموم عملًا, ولم يُخصِّصْهُ بنساءٍ دون نساءٍ ولو خصَّصه وأخرجَ عائشةَ من عمومه لحُقَّ له هذا, فهي فقيهةُ الأمة الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيق أحبُّ الناس لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا روى البخاري (4100) ومسلم (2384) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ, قال فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا, فَسَكَتُّ مخافةَ أنْ يجعلني في آخِرَهم» .
بل وهي زوجُهُ في الدنيا والآخِرة كما عند البخاري (7100) من حديث عمار بن ياسر عندما خطب أهلَ الكوفة مِن على مِنبرها قائلًا: « ... وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ» .
قلت: وثمةَ مُسوِّغٌ آخرُ لإخراجِ عائشةَ من العموم وهو أنْ يقول: لعلَّ الأمرَ مخصوصٌ بالكافِرات، لأنَّه قيل لسبب (والأسبابُ والأحوالُ والأوصافُ أحيانًا مُخصِّصَاتٌ ومقيِّداتٌ ومُبيِّناتٌ للمُجملات) !! وكيف يستويانِ مثلًا عائشةُ وابنةُ كِسرى؟! اللهم لا، ولكنه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أخذ بقاعدةٍ أُصوليَّةٍ قبل أنْ تُوجد أصولُ الفقه وتكون, وتلك هي الرابعةُ الأخرى: (العِبرةُ بعموم اللفظ لابِخُصوص السبب) بل ثمَّةَ خامِسةٌ كُبرى وهي (الأصلُ العملُ بالظاهر) كما هو ظاهر, واللهُ أعْلَمُ.