فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 153

قلت: وهذا ليس على إطلاقه، فلو قامت قرينةٌ قويةٌ للإعلال فلا مانعَ (وكم تركَ الأوَّلُ للآخِرِ) .

-"فائدة عزيزة": ولكنْ هل يُعقل أنَّ هؤلاء الجبالَ وأعني الثوريَ وعبدَالرزاق وأحمدَ والطبراني وأهلَ ذاك العصر لايعلمون أنَّ روايتَهم سيُفهمُ منها الإشارةُ بين السجدتين؟! لا أظنُّ هذا إلاَّ مستحيلًا، أيْ: أنَّهم يعلمون ذلك، فلو كان الحديثُ يُخالِفُ ما عليه مشايخُهم وأهلُ عصرهمِ لَوَجَبَ بيانُهم، ومن ثَمَّ فسكوتُهم: الأصلُ فيه هو تصحيحٌ للحديث, ولم يجدوا فيه النَّكارةَ التي وجدها الألبانيُ -رحمه الله ورفع درجتَه- وبغير هذا فوصفُهُم بحَمَلةِ الحطبِ يكادُ يكون لِباسَهم، واللهُ المستعان.

وقد يَرِدُ على ما تقدَّم أنَّ الحُفَّاظَ كأصحاب السُّنن وأحمدَ خرَّجوا أحاديثَ ضعيفةً بل وموضوعةً؟! فأقول: هذا صحيح، ولكنَّ الأصلَ هو الصحةُ.

وقد يُقال: هؤلاء لم يشترطوا الصحةَ فكيف تقولون: الأصلُ الصحةُ؟! فأقول: ثمةَ فرقٌ بين الأصلِ والاشتراطِ، فالاشتراطُ: هو أنْ لايُخرِّجَ المُحَدِّثُ إلاَّ ما صحَّ عنده, وأمَّا الأصلُ فهو قولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» [1] وقولُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي, مَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلَا يَقُولَنَّ إِلَّا حَقًّا أَوْ صِدْقًا, فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارََََِ» . [2]

-"فائدة في حكم العمل بالأحاديث الضعيفة":

لعله يتجلَّى من الحديثين السابقين أن الأصل منعُ التحديث إلا بمقبولِ الحديث وإلا فلا، وذلك للوعيد الشديد لِمَنْ لم يتحرَّ الصدقَ في حديثه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو لم يتثبت في

(1) رواه مسلم في مقدمته عن سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة.

(2) رواه أحمد (22591) وابن أبي شيبة (26244) وابن ماجه (35) من حديث أَبِي قَتَادَةَ وهو في الصحيحة (1753) ومعنى قوله: «فمن قال علي ما لم اقل ... » عند الشيخين وهو متواترٌ, له في صحيح الجامع ما يربو على السبعين صحابيًا، بل هو (مروي عن أكثر من مئة صحابي, وللإمام الطبراني جزء مفرد في طرقه ورواياته، طُبِع بتحقيقي) كذا قال الشيخُ علي الحلبي في تحقيقه الباعثَ الحثيث (2/ 407) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت