-بل إنَّ علمَهم يتعدى الأفعالَ الظاهرةَ للعلماء إلى كتبهم وما فيها من خطأٍ أو صوابٍ، بل وأحيانًا يأخذون كتبَ شيخهم، فينخلونها نَخْلًا، ففي تهذيب التهذيب وفي ترجمة علي بن الجَعْد: (قال خلفُ بنُ سالم: سِرتُ أنا وأحمدُ ويحيى إلى علي بنِ الجَعْد فأَخرجَ إلينا كُتُبَهُ, وألقاها بين أيدينا, وذهب فلم نجِدْ فيها إلا خطأً واحِدًا, فلمَّا فرغنا من الطعام, قال: هاتوا, فحدَّثَ بكل شيءٍ كتبناهُ حِفظًا) .
-ويُعجبني كلامُ الشيخ مقبلِ بنِ هادي رحمه الله عندما نقل كلامَ الأئمة ابنِ معين وأبي داود والنسائي والبيهقي في ترجيحهم الإرسالَ لحديثٍ في كتابه (أحاديثُ مُعلَّةٌ ظاهِرُها الصحةُ) (152) فقال: «رحِمَ اللهُ امرَأًً عرف قَدْرَ نفسِه, فالحفَّاظُ يحفظون حديثَ المُحدِّث وحديثَ شيوخه وحديثَ تلاميذه, فهم يعرفون وَهْمَ الشيخ وهذا بخلاف الباحث العصري، فهو لا يحكم إلاَّ بما عنده من السَّنَد، فلا مُقارنةَ بين باحثٍ عصري وبين حافظٍ من المتقدمين» انتهى.
-والحُفَّاظُ كالثوري وعبدِالرزاق وأحمدَ كانوا يتفاخرون بداريتهم الأحاديثَ، فهذا أحمدُ بنُ صالح المصري وقد سُئِلَ عن محمدِ بن سعيد بن حسان الأسدي المصلوب، فقال: «زِنديقٌ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَضَعَ أربعةَ آلافِ حديثٍ عند هؤلاء الحمقى، فاحْذروها» . [1] - وأمَّا الحافظُ السيوطي فقال في أهل ذاك العصر: ( ... لأنَّ الإطِّلاعَ على العلل الخفية إنَّما كان للأئمة المتقدمين لقُرْبِ أعصارهم من عصر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان الواحدُ منهم من يكون شيوخُهُ التابعين، أو أتباعَ التابعين، أو الطبقةَ الرابعةَ، فكان الوقوفُ على العلل إذ ذاك مُتَيَسِّرًا للحافظ العارفِ، وأمَّا الأزمانُ المتأخِّرةُ فقد طالت فيها الأسانيدُ، فتعذَّر الوقوفُ على العلل إلاَّ بالنقل من الكتب المُصنَّفةِ في العلل) . [2]
(1) انظر التهذيب (279) .
(2) قاله في رسالته (التنقيح لمسالة التصحيح) كما في رسالة (تصحيح الحديث عند ابن الصلاح) .