فما يَضرُّكُم لو قُلتم كما قال الصحابةُ الذين حفظوا أنفاسَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وراقبوه مُراقبةَ مُرضِعَةٍ رضيعَها، بل واللهِ وأكثرَ، إذِ الإيمانُ لايستقيم إلاَّ بحُبِّه على المَال والولد، وكما أخرجَ البخاري (15) ومسلم (44) من حديث أنس قال: قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُوْنَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ َوَالِدِهِ ووَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ» [1] ولِمَ لا تأخذُوا كلامَ الصحابة على ظاهره، بل وبعلله التي أناطوه بها؟!.
فأخبارُهم فيها أمران: لفظٌ وواقِعٌ شهِدوهُ, ونحنُ ليس لنا من خبرهم إلا اللفظُ, وأمَّا ما شَهِدوه فَمُنتَفٍ, ومن ثمَّ فهم يعنون ما يقولون, وأمَّا نحنُ فليس لنا من الأمر إلا ظاهِرُ ما ينطِقون, لكوننا ما شَهِدنا ما كانوا يشهدون, فلوِ استقمنا على هذا لما اضطُرِرنا لقولِ هذا لم يُنقل وذاك لم يُحفظ وهَلُمَّ جَرًَّا.
-وهاكَ مثالًا لتعلمَ مقدارَ هذا الحبِّ, وهذه المراقبةَ والمُتابَعَةَ، ففي صحيح البخاري (2581) حديثٌ طويلٌ زمنَ الحُديبية من طريق الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا: « ... فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ: وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ, وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ, وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا, وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ, وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ, وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ, وَإِذَا تَكَلَّمَ
(1) ونحوُهُ عند البخاري (14) أيضًا من حديث أبي هريرة.