ومِثالُ هذه القاعدة: رجلٌ قد دخل العراقَ يُريد بغدادَ, فيسأل أهلَ البصرة أوِ الكوفةِ أين بغدادُ؟؟ فيُقال له: هي في العراق!!.
أو ظمآنُ في مَفَازَةٍ يكادُ يأكلُ الثَّرى, وقد أضاع رَاحِلَتَهُ فيسألُ عالِمًا بوجودِ عينٍ نضَّاخَةٍ عالِمًا بسبيلها، فيُجيبُهُ: هي في الصحراء!! ثمَّ يمضي تارِكًا مُسترشِدَهُ لسكرَات الموت!!.
بلى قد يُؤتى بهذا الأسلوب لكن مع قرينةٍ للتخصيص، وهذا يقتضي أنْ يكون المُستثنى أقلَّ من قسيمه أيْ: مرادِ العموم، وهذه يُسمِّيها الألبانيُّ قاعدةَ (استثناءِ الأقَلِّ من الأكثر) كما في مناقشته لتحريم الذهب المُحلَّق مع مراد شكري (الشريط الأول) وقد قَرَّرَ الألبانيُّ رحمه الله هناك بأنَّه لايصحُّ تخصيصُ الأكثرِ من الأقل.
وأقولُ: فأمَّا القيامانِ، فلا قرينةَ لتخصيصِ أحدِهما، وهما سواءٌ عددًا, وأمَّا الجلوسانِ فالقرينةُ معدومةٌ، وجلوسُ السجدتين هو الأكثرُ، فبعيدٌ -والحالُ كذا- أنْ يُعبَّر بالعموم, والخصوصُ مرادٌ، فليس هذا مشتهرًا عند العرب؟!.
خامسًا: الروايةُ بالمعنى اشترطوا لها شروطًا، منها: ألَّا تُخالِفَ الواقعَ، وقولٌ أو فعلٌ مخصوصٌ عمومُهُ، ولم يُروَ تخصيصُهُ لهو مخالفةٌ للحقيقة، وحينئذٍ فلا وزنَ وقيمةَ للنصوص، وكلُّ عمومٍ سيُقال فيه لعلَّ المرادَ منه كذا، وآخَرُ يقول: لا لم يُرَدْ به كذا بل كذا وكذا!!.
وسيضيع الدينُ، وستنال هذه الاحتمالاتُ والظنونُ الدينَ كلَّه وليس عمومَه فقط، فكلُّ ألفاظهِ سيُقال فيها لعلَّها من تصرُّف الرواة، وأنَّ المراد منها كذا، أو يُقال بلِ اللفظُ كان كذا وتصرَّف فيه الرواة فكان بهذه الصورة، ولانهاية لتلك الظنون والأوهام.
سادسًا: تَوَافَقَ الخصوصُ مع عمومه من روايات أُخرى، فتأكَّدَ إرادَةُ العموم.