قلت: لا مخالفة البتة، فالأولى متابِعةٌ له كما أوضحنا, وأمَّا الثانيةُ فلا مُنافاةَ بتماثل جلوس التشهد مع جلوس السجدتين.
لايزال أهلُ العلم يجمعون طُرُقَ الحديثِ والزائدَ فالزائدَ, آخِذينَ منها أحكامًا أو بيانًا لمجملٍ ومبهمٍ ونحوَ ذلك, فلا ضيرَ في التفرد بلا مخالفةٍ إنْ كان من ثقة حافظ كعبدالرزاق، فمثلًا قال مسلمٌ في صحيحه (1647) : «وَلِلزُّهْرِىِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ» انتهى, وكذا حديث عمر: «إنَّما الأعمالُ بالنيات» عند البخاري (1) ومسلم (1907) الذي تفرَّد عنه علقمةُ بنُ وقَّاصٍ الليثيُّ، وعنه محمدُ بن إبراهيم التيمي وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، فلا يُقال: أين تلاميذُهم من هذا التفرُّد، وليس لنا أن نتكلف معرفةَ الغيب بهذا السؤال وقد تلقَّى الحُفَّاظُ كأحمدَ والطبراني تلكم الأحاديثَ بالقبول روايةً ودِرايةً, ومالي أبعُدُ ضارِبًا الأمثلةَ للزُهري وغيره، فالرواةُ عن عاصمٍ زادَ بعضُهم على بعض أركانًا وواجباتٍ، فهل يُقال في تيكم الزيادات أنَّها شاذَّةٌ؟! ولِمَ حكمنا على رواية عبدالرزاق بالشذوذ، وجُلُّ الرواة أو كلُّهم جاءوا بزيادةٍ ونقصٍ، ومدارُ الحديث ومصدرُهُ واحدٌ وهو عاصم؟!.
بل إنَّ الطبراني روى في الكبير نحوًا من تسعين حديثًا لوائلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الصلاة، فلماذا هذا التعددُ مع أنَّ الصلاة واحدةٌ والراوي وحيدٌ أيضًا؟!.
وقد ينفرِدُ راوٍ بزيادةٍ لا تُوجدُ عند كثيرٍ من جبال الحِفظ, وهذا هو شأن الرواية وَمَنْ يتَحَرَّ الخيرَ يُعْطَهُ.
وأمَّا زيادةُ الثقة فهي: (إمَّا أنْ تكون لاتَنافيَ بينها وبين روايةِ مَنْ لم يذكرْها، فهذه تُقبلُ مُطْلَقًا، لأنَّها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقةُ، ولا يرويه عن شيخه غيرُه، وإمَّا أنْ تكون منافيةً بحيث يلزَمُ من قَبولها رَدُّ الرواية الأخرى) كما قال الحافظُ في نُزهة