يُؤخذ من قولِ ابن مسعودٍ هذا جوازُ أنْ يمتدِحَ المسلمُ نفسَهُ, ولكنْ لحاجةٍ أو ضرورةٍ، ولعلَّ ما سوَّغ ذلك: هو ما في روايةِ مسلمٍ (2462) من حديث أبي وائلٍ شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بن مسعودٍ أَنَّهُ قَالَ: «(وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَامُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟! فَلَقَدْ قَرَاتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً, وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ, وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ.
قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ في حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلاَ يَعِيبُهُ».
ولعلَّ ما يعضدُ جوازَ ذلك قولُ يوسُفَ عليه السلام كما قال تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (. [1]
-قلت: بل قد نقلوا ما لا دينَ فيه، ولا أظنه ينفع أحدًا، ولكنَّ الصحابةَ أبَوا إلاَّ ذِكرَهُ, فَلَكأنَّهم أرادَوا أنْ يُطلعوا الأمةَ على أحوالِ نبيِّهم كُلِّها, وهاؤم المثالَ: فقد أخرجَ البخاريُّ (5519) قولَ أنسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أنَّ نَعْلَي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لهما قِبالانِ» .
وأقول: فإذا كان ذلك كذلك فأولى ثم أولى ألاَّ يضيع دينٌ، وسواءٌ كان دقيقًا أم جليلًا.
-ولم يَقِفِ الأمرُ هاهنا، فحسبُ، بل وحتى ما يُستحيى منه أثبتوه روايةً غيرَ ناظرينَ لحياءٍ قد يخدش تمامَ الدين، فها هو أنسٌ ينقل لنا حادثةً وفيها ذِكْرُ جِماعٍ لأُمِّه وزوجِها غيرِ أبيه وعند وفاةِ ابنِها:
ففي صحيح البخاري (1239) ومسلم (2144) واللفظ له من حديث أَنَسٍ، قَالَ: «مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ, فَقَالَتْ لأَهْلِهَا لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ
(1) يوسف: الآية [55] .