وسُخريَّتُهم هذه تتجلَّى بما خرَّجه البخاريُّ (1349) ومسلم (1018) من حديث أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ «قال: لما نزلت آيةُ الصدقة كُنَّا نُحَامِلُ, فجاء رجلٌ فتصدَّق بشيءٍ كثيرٍ, فقالوا: مُرائي!! وجاء رجلٌ فتصدق بصاعٍ, فقالوا إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هذا!! فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ... الآية (» .
2 -قولهُا: «لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ» يُؤخذ منه أنَّ المُصابَ لايُعلِمُهُ بِمُصيبتهِ إلا أَحِبَّاؤُهُ, وكذا في حينِ ارتياحه وانشراحه.
3 -قولُهُ: «فلمَّا رأتِ امرأتُهُ أنَّهُ قد مات, هيَّأتْ شيئًا وَنَحَّتْهُ في جانب البيت» يتبيَّنُ منه أنها قد جمعت أربعًا من الحقوق: حقِّ ربها حين صبرت, وحقِّ ولدِها حين صَحِبَتْهُ لحين موته ثم جهَّزته للدفن, وحقِّ زوجها ونفسِها كما هو ظاهر.
4 -قولُهُ: «فلمَّا جاء أبو طلحة قال: كيف الغُلامُ؟» يُؤخذ منه أنَّ الصالحين يَتفقَّدون من أحوال رعيَّتهم الأهمَّ فالأهمَّ.
5 -قولُها: «قد هدأت نفسُهُ, وأرجو أنْ يكون قدِ استراح! وظنَّ أبو طلحةَ أنها صادقة» فيه جوازُ استعمال التوريةِ ومعاريضِ الكلام, بل وسُنَّةُ ذلك, لذا فقد وضعه البخاري أيضًا تحت (باب: المعاريضُ مَنْدُوحَةٌ عنِ الكَذِبِ) .
6 -قولُهُ: «فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ, فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا ... فباتَ فلمَّا أصبح اغتسلَ» يؤخذ منه أنَّ سدَّ حاجة النفس من الطعام والشراب والجماع والمبيت والغُسل وراحةِ البال يُعينُ على تحمُّلِ الصَّدمَات.
7 -ويؤخذُ منه أنَّ حالَ المُصابِ حينَ مُصيبته يُراعى أكثرَ من سائر أحواله, فيُتلطَّفُ به لإعانته في مِحنته، وهذا ظاهرٌ من خدمتها له أحسنَ خِدمة.